سورة يوسف
الجزء ٩ · صفحة ١١٤فيا للقلب المفجوع إذا لم يجد من يشاركه مواجعه، سيما من ألصق النّاس به. فقد توالت الأحزان، والأسى يبعث الأسى. ونكاء القرح بالقرح أوجع كما يقول الشّاعر. فقد انصرف يعقوب عن أبنائه غاضبا لينكفئ إلى نفسه يناجيها في حسرة وأسى ويندب فجيعته في يوسف، إذ لم تخفّف من وطأتها السّنون. بل جدّدتها مصيبة الابنين الآخرين:
فلو كان سهما واحدا لاتّقيته … ولكنه سهم وثان وثالث
وليس عجيبا من نبي أن يبلغ به الجزع ذلك المبلغ إذ لم يندّ به لسانه بما يدلّ على السّخط من قدر الله، فهو وإن اعتصر قلبه الحزن والأسى وبكى حتى ابيضّت عيناه، فقد كظم غيظه وانطوى على نفسه، فلم يشك لأحد ما يعانيه ويكابده. بل واجه عتاب أولاده على ذلك بقوله: (إِنَّمَآ أَشْكُواْ بَثِّي وَحُزْنِيَ إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ): فالشّكوى إلى الله عبادة، كما أن العين التي تبكي متضرعة إلى الله لا تمسّها النّار كما ثبت ذلك في الحديث الصّحيح.
لقد كان ردّه لإنكار بنيه عليه ذلك الحزن بقوله: (وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ): لقد هذا الردّ دليلا قاطعا على الشّعور العميق الذي يحمله يعقوب عليه السلام بجلال الله وعظمته. فهو موصول بقدسية النّبوءة، فأنّى لأولاده أن يعلموا تلك الحقائق اللّدنية، وأنى لهم أن يدركوا تلك المقاصد الخفية. لقد كان الأب المفجوع يوقن بصدق رؤيا ولده يوسف، وأنه ما يزال حيّا وأن الله سيظهره مع أخيه، فعاد يلاطف أولاده، والظّنون تناوشهم بما ارتكبوه في حق أخويهم. فقال لهم: (يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِنْ يُّوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ’ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ):