نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة يوسف

الجزء ٩ · صفحة ١١٩

(فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ): لقد استسمحوه في مبادلتهم الرّديء بالجيّد أو الرّخيص بالغالي، وطالبوه بتوفية الكيل لهم لما تعوّدوه من إحسانه لهم، وأن يزيد على ذلك بالتّصدّق عليهم كرما وتفضّلا. وقيل فيه تعريض ذكيّ بإطلاق أخيهم، فإذا لم يكن عوض في الزّائد المتصدّق به، فإن ثوابه عند الله جزاء مضاعفا: (إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ): وروي أنهم عندما قالوا ليوسف: (مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ): بذلك التّضرّع والانكسار، اغرورقت عيناه بالدّموع شفقة ورحمة فقال:

(قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذَ اَنتُمْ جَاهِلُونَ؟؟، قَالُواْ أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ؟ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَآ أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَآ إِنَّهُ’ مَنْ يَّتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ):

لقد أخذته الرّقة والشّفقة على أهله ودعاه الموقف على مكاشفة إخوته بشخصه فخاطبهم بالاستفهام التّوبيخي على ما صدر منهم نحوه ونحو أخيه يوم كانت تستحوذ عليهم فورة الجهالة وغرور الصّبا. قيل إن وصفهم بالجهالة كان لغرضين:

أ) - استئناسا لقلوبهم من وطأة التّأنيب على ما فعلوه، والتماسا لبعض إعذارهم في ذلك.

ب) - تعريضا بأنهم قد أصبحوا على غير ذلك الحال. لأن يوسف قد تفرّس فيهم الحكمة والأناة والحرص في تلبية رغبة أبيهم للتحسّس من يوسف وأخيه فيا للطافة التّمهيد لأحداث المفاجأة. فقد أزاح عن أبصارهم رهبة الموقف، وتحرّك دم الأخوة في عروقهم، ولاحت أمام أبصارهم ملامح وجه ما تزال سماته عالقة تذاكرتهم، كما تذكّر وأقول أبيهم لهم: (إِنِّيَ أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ).

٢٬٨٢٠ / ٦٬٧٦٧