سورة الإسراء
الجزء ١٠ · صفحة ١٠{أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً): أسرى فعل لازم كـ"سرى"، وهو يحمل معنى السّير باللّيل، فزيادة "لَيْلاً" لإفادة تمام المسار من بدايته إلى نهايته في جزء من اللّيل وذلك أدعى لبيان القدرة الإلهية. واختيار وصف العبودية للرّسول مضافا إلى ضمير الجلالة هو للتّشريف، وكان الرّسول يعتز بتلك العبودية، وجاء في الأثر: "أشرف العبودية ما تعبّد به". ووصف العبودية للرّسول يبعده عن كلّ تقديس يرفعه إلى مقام الألوهية كما فعلت النّصارى بالمسيح.
{مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الاَقْصَى الذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ): حدّد الله مسار الإسراء من بدايته إلى نهايته لبيان طول المسافة، وأن ذلك قد تمّ بقدرة الله تعالى، وهو معجزة وتكريم لرسول الله، وفي ذلك إيماء إلى مسار موكب الإيمان والتّوحيد من مقام إبراهيم في المسجد الحرام إلى مرابع ذريته في بيت المقدس ثم عودا إلى المهد الأول في مكة على عهد محمد صلى الله عليه وسلم.
ومباركة الله لما حول المسجد الأقصى كانت بوفرة المعايش لسكانه ببركة النّبوءة، وهو نفس الوصف الذي أضفاه الله على الكعبة بقوله: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِّلْعَالَمِينَ) (آل عمران:96).
{لِنُرِيَهُ’ مِنَ -ايَاتِنَا إِنَّهُ’ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ): بيان لمقاصد ذلك الإسراء بأنها تكريم لرسول الله بما يريه الله من آيات قدرته وعظمته مما قد يخفى عن مدركات الإنسان، فإذا عرفنا أن حادث الإسراء وقع في عام الحزن أدركنا ما في ذلك من الحكم الإلهية في تثبيت رسول الله، ففي المدركات الحسية لدى الإنسان اطمئنان ويقين، فقد قال إبراهيم عليه السلام لربّه عندما طلب منه أن يريه كيف يحي الموتى، قال: {أَوَلَمْ تُومِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) (البقرة:260).