سورة البقرة
الجزء ١ · صفحة ٢٩١وعلى اعتبار "أم" منقطعة تكون بمعنى: بل يقولون، والهمزة للإنكار لما يدّعونه من وصف الأنبياء السّابقين لنزول التّوراة والإنجيل باليهودية والنّصرانية، إذ أنّ أولئك الأنبياء كانوا كلّهم على التّوحيد لله والحنيفيّة له: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِياًّ وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ) (آل عمران:67)، فهذه شهادة الله بحقيقة دينهم، وهو الإسلام الذي جاء محمد صلى الله عليه وسلم ليركّزه وهو ما يدعوكم إليه، ولا شكّ أنّ الله تعالى هو العليم بما هو حقّ وصدق، فقد ارتضى الإسلام ديناً لخلقه إلى قيام السّاعة، وصدق محمد في دعوته تعلمون به، ولكنّكم تكتمون شهادة ذلك حسداً وعناداً، ثمّ زادهم تقريعاً وتوبيخاً بقوله تعالى: (وَمَنَ اَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ، مِنَ اللَّهِ)، جاء الحكم بصيغة التّفضيل وبـ "من" ليشمل الحكم كلّ الكاتمين للشّهادة وفي طليعتهم اليهود والنّصارى إذ كتموا شهادة الله بالنّبوءة لرسولنا محمد في كتبهم وكتمان أوصافه، ثمّ هدّدهم بهذا الوعيد (وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)، فهو يكشف حقيقتكم ويجازيكم على أعمالكم، والإيمان بأنّ الله يعلم السّرّ وأخفى يراقب الإنسان في جميع تصرّفاته، هو الزّاجر القويّ للإنسان حتّى يكون دائم الحذر والخوف من غضب الله وسخطه.
وبهذا البيان الشّافي والأدلّة الدّامغة تتمّ المفاصلة والمفارقة بين ما كان عليه أسلاف أهل الكتاب من الدّين الصّحيح، وما عليه أخلافهم من الإدّعاء والغرور فتكرّرت الآية السّابقة بقوله تعالى: (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْئَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ):