سورة الإسراء
الجزء ١٠ · صفحة ٦٦ومثل هذه الحقيقة الوجودية من وحدانية الله ونزاهته عن الشّريك هي بديهية لأولي الألباب يهتدون إليها بالتّأمّل الواعي في ملكوت الله ثم إن الله تعالى أنزل في قرآنه هديا كافيا بالأدلة والحجج البيّنة تذكرهم بذلك ولكنهم يعرضون عن تدبّره، قال تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْءَانِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُوراً).
أكدّ الله الجملة باللام المشعرة بالقسم و"قد"، والتّصريف في القرآن يعني به اختلاف أساليبه وتعداد حججه وتنوّع أمثاله، سيما في قضية وحدانية الله، ليذكر هؤلاء الجاحدون عساهم يزدجرون. ولكن لم يزدهم ذلك إلا إعراضا ونفورا. على أن التّفصيل في شأن قضية يقتضي من المخاطبين القناعة والرّضوخ لما يقال، فلماذا ينفر هؤلاء عن سماع الحق؟؛ لأنهم مرتبطون بمنافعهم العاجلة بما يستغلون من النّفوذ والهيمنة على الأتباع السّذج.
وكمثال على تصريف الحجج في القرآن عاد السّياق إلى الرّدّ على مزاعم المشركين في اتخاذ الأنداد والشّركاء لله فقال: {قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ ءَالِهَةٌ كَمَا تَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوِاْ اِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً).
المخاطب بالأمر بالقول هو رسول الله ليقول للمشركين في ما يقولونه على الله كذبا وافتراء. واعتراض جملة: {كَمَا تَقُولُونَ) هو للفرضية الجدلية وليس لها واقع في الوجود؛ لأن "لو" تفيد امتناع الجواب لامتناع الشّرط، بمعنى: لو افترضنا جدلا بوجود آلهة أخرى مع الله فأين هي؟، فإذا كانت غير موجودة فقد انتهى الأمر وحق الحق، وإن كانت موجودة فهي بين احتمالين: