نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الإسراء

الجزء ١٠ · صفحة ٧٨

جاء الإخبار بصيغة المضارع لما يفعل الكفار ويقولونه للرّسول. وكان بوسعهم أن لا يفعلوا ذلك ولا يقولوا -وهم في موقف جدال-، ولكن الله صادق في إخباره، إذ كان منهم ذلك غفلة وغباء، إذ تركوا السّؤال عن أصل وقوع البعث إلى السّؤال عن زمن وقوعه فقالوا: {مَتَى هُوَ)؟، فكان الجواب: {قُلْ عَسَى أَنْ يَّكُونَ قَرِيباً)، جاء على لسان رسول الله إبطالا لتهكّمهم. ومعنى القرب هنا أنه متحقق الوقوع؛ لأن القائل هو الله سبحانه وتعالى، فهو أمر واقع لا شكّ فيه، ولم يخبر الله بوقته أحدا من خلقه لا نبيّا مرسلا ولا ملكا مقربّا. ولذلك كان جواب الرّسول لجبريل عندما سأله بقوله: «أخبرني عن السّاعة». فكان جوابه عليه السلام: «ما المسؤول عنها بأعلم من السّائل»، غير أنه قد مثل لذلك القرب بقوله: «بعثت والسّاعة كهاتين».(1) وأشار لذلك بالسّبابة والوسطى، وكل آت قريب.

ثم قال تعالى: {يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمُ إِلاَّ قَلِيلاً)، اليوم: هو يوم القيامة، وهو يوم التّنادي لجميع الخلائق بواسطة الملائكة إلى المحشر. والاستجابة: مستعارة لمعنى المطاوعة والانقياد، إذ يسلب عن النّاس الاختيار فتنفكّ الإرادة عن الجوارح فلا يبقى سلطان لأحد على نفسه بله على غيره كما كان يفعل الملوك بأتباعهم في الدّنيا، والملك يومئذ لله وحده كما قال تعالى في سورة غافر: {لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاَقِ، يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لاَ يَخْفَى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) (15 - 16). فقوله تعالى: {يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمُ إِلاَّ قَلِيلاً): أي يدعوكم وأنتم في قبوركم عظام ورفات.

(1) 1 - رواه البخاري من حديث سهل بن سعد، كتاب (65) التفسير، باب (79) سورة النازعات، رقم 4936.

٢٬٩٢٧ / ٦٬٧٦٧