نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الكهف

الجزء ١٠ · صفحة ٢٤٣

وقد سبق في علم الله أن هذا الولد يكون في مستقبله طاغيا كافرا، ممّا يرهق والديه المؤمنين إذ يكون سببا في فساد دينهما، فكان من الخير لهما، ومن رحمة الله بهما أن يبدلّهما الرّبّ تعالى ولدا أطهر وأقرب رحمة لوالديه. واختير ضمير العظمة في: {خَشِينَا) وفي: {أَرَدْنَا)؛ لأن العبد الصّالح يتكلم بلسان الحق تبارك وتعالى.

ومحلّ الواجب لموسى وفق أحكام شريعته أن لا تقتل نفس بغير حقها، ولكن حكم الغيب الذي لا يعرفه إلا الله ولا يظهره إلا لمن ارتضى من عباده قد كشف عن الطّبيعة المكنونة في نفس ذلك الغلام، بأنها كفر وطغيان. فكان من الخير له ولوالديه أن يقضي الله بما تمّ على يد العبد الصّالح من قتل ذلك الغلام قبل أن تحصى أعماله، وبالتّالي فقد تخلّص الوالدان المؤمنان من الرّهق الذي يلحقهما من ذلك الولد لو بقي حيّا.

ثم يقول الله تعالى عن المشهد الثّالث: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ’ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَّبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ’ عَنَ اَمْرِي ذَلِكَ تَاوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَّلَيْهِ صَبْراً).

اجتمع في الغلامين ضعفان: ضعف الطّفولة البريئة وضعف اليتم، ومن تمام صلاح أبيهما أن ادّخر لحاجتهما مالا تركه لهما كنزا مدفونا تحت جدارهما. وكاد ينكشف ذلك الكنز لميلان الجدار، وليس للغلامين حول ولا قوة لإقامته، فقيّض الله العبد الصّالح للقيام بذلك العمل حفظا لمال اليتيمين حتى يبلغا أشدّهما، بحيث يملكان حينئذ القوة على استخراج ذلك الكنز، ولابدّ أن يكون الأب الصّالح قد أوحى بذلك أو ترك علامة تدلّ على الكنز.

٣٬٠٩٢ / ٦٬٧٦٧