نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الكهف

الجزء ١٠ · صفحة ٢٥٨

كانت إجابة ذي القرنين للعَرض الذي قدمه المستغيثون به، كانت تنمّ عن مدى صلاح وهمّة الرّجل القويّ الفاتح، فلم تأخذه نشوة الغلبة والانتصار، ولم تمتدّ يده للاستيلاء على أموال القوم ولا على ممتلكاتهم كما يفعل الغزاة المتجبّرون، بل عفّ حتى على ما عرضوا عليه من الأجر للقيام بذلك المشروع العظيم من سدّ فجوة الجبلين شاكرا لنعمة ربّه بما مكّن له من القوة، وبما وفّر له من الأسباب، شأنه في ذلك شأن الملك الرّسول سليمان عليه السلام في رفضه للأموال التي عرضتها عليه الملكة "بلقيس" عند ما قال لرسلها: {أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ ءَاتَانِيَ اللهُ خَيْرٌ مِّمَّآ ءَاتَاكُم بَلَ اَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ) (النّمل:36).

ولكن ذا القرنين أنبأهم بأنّه في حاجة إلى قوّتهم البدنية والعضلية يساعدونه بها في عمله، وتتمثل مساعدة القوم له لردم تلك الفجوة في أمور ثلاثة، هي كلها مواد وأعمال فنية أساسية في إنجاز المشاريع الضّخمة كما نعهدها اليوم:

أ) - {فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ): أي التّركيز والجدية في العمل مع بذل الجهد والتزام النّظام الجماعيّ.

ب) - {اتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُواْ): والزُبَر هي القطع الضّخمة من الحديد تكون بمثابة اللّبنات التي تسدّ تلك الفجوة وقد سوّاها بجانبي الجبلين الطّبيعين بحيث تصبح كلها سدّا واحدا.

ج) - {قَالَ انفُخُواْ حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ’ نَاراً قَالَ ءَاتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً): وقيل: إن معنى الصّدفين عبارة عن حائطين: أمامي وخلفي في تلك الفجوة، ثم يردم ما بينهما كما يفعل المهندسون اليوم بالأسوار الحصينة. فقد أمرهم بتحمية الحديد حتى يصّب عليه ذوب النّحاس ليزيده التحاما وتماسكا.

٣٬١٠٧ / ٦٬٧٦٧