نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة البقرة

الجزء ٢ · صفحة ١٩

فيكون المعنى على هذا التوجيه أنّ النّاس خُلقوا ولهم صفة الجماعية والتعاون، وذلك يؤدي -لا محالة- إلى التنافس والاختلاف، ممّا يجعل من رحمة الله ولطفه بخلقه أن يرسل إليهم الرّسل لفضّ النّزاع بين البشر وهدايتهم إلى الخير والحقّ والعدل. ثم يبين صاحب المنار أنّ هذه الآية جاءت بمنزلة بيان الحكمة فيما يسبقها من الأوامر الإلهية بالدّخول في السّلم كافّة، ثمّ بيّن سبب ما يقع من الاختلاف بين الناس وهو فتنة الحياة الدنيا، ثم أراد الله أن يقيم الدّليل على أنّ الاهتداء بهدي الأنبياء ضروريّ للبشر فقال تعالى: (فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيئِينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ).(1)

فرّع الله بعثة النبيين وذكر مهمّتهم في التّبشير والإنذار وأبان أنّه أنزل عليهم الكتاب، وهو يطلق في الاصطلاح على الشريعة، وقد تُكتَبُ لدوام حفظها والتّمكّن من مدارستها، ويترتّب على التّبشير والإنذار من طرف الرّسل أن تتهيّأ نفوس النّاس إلى وعي ما يتنزّل من الأحكام وقبول الإرشادات الإلهيّة، فتكون مهمّة الكتاب المنزّل أن يصحّح تصوّر النّاس في معتقداتهم ويرشدهم إلى الخير، وبالتّالي يظهر وجه الحق فيما اختلف فيه الناس، إذ تتحدّد معايير الحقّ وموازين العدل وفق ما يريده الله لخلقه حتى تستقيم أمور حياتهم، حيث يحتكمون إلى تلك المعايير والموازين. وتتّفق الكتب السماوية كلّها في هذه الصفة من أصول الاعتقاد ومعايير الأخلاق وإن اختلفت في بعض الجزئيات التّشريعية وفق حاجات الأمم والأجيال.

(1) 1 - محمد رشيد رضا، تفسير المنار.

٣٢٢ / ٦٬٧٦٧