نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة البقرة

الجزء ٢ · صفحة ٥٤

ومن رحمة الله أن لا يؤاخذهم باللّغو في الأيمان كما تدلّ عليه الآيتان، واللّغو هو ما يقع على اللّسان من الكلام حشواً بغير قصد لعقد الأيمان، ولكنّها جرت مجرى التّأكيد والتّنبيه كقول العرب: لا والله، وبلى والله. ذلك ما ذهب إليه الجمهور وكثير من علماء الصحابة، و عدم المؤاخذة عليها هو عدم إيجاب الكفّارة بها، وذلك من حِلم الله بنا إذ يتجاوز عن اللّمم الذي لا يستطيع الإنسان أن يتوقّاه فيغفره الله ويتجاوز عنه. وتذكر كتب الفقه أقوالا أخرى عن مفهوم اللّغو رتّب الأئمة عليها أحكاما تُطلَب من مظانّها.

وهناك يمين خاصّة تتعلّق بمعاشرة الزوج للمرأة بيّن الله حكمه بقوله تعالى: (لِلَّذِينَ يُولُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِن فَآءُو فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ، وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).

الإيلاء من المرأة هو أن يحلف الرّجل بأن لا يقربها لمدّة قد تمتدّ لسنة وسنتين عند الجاهليين، وهم يفعلون ذلك عند المغاضبة و الغيظ أو هضماً لحقّ المرأة وإضراراً بها، وذلك منافٍ للعدل والإنصاف ومراعاة الإصلاح لشؤون الأسرة كما أمر الله بقوله: (وَ عَاشِرُوهٌنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (النساء:19)؛ وربّما فعل بعض المسلمين ذلك جرياً على عادة الجاهلية فحدّد الله مدّة أربعة أشهر كحدّ أقصى، فإن رجع الرّجل عن يمينه فإنّ الله يغفر له ما كان من الحنث، ويعدّ ذلك توبة لهم فلا يؤاخذهم على ما سلف، وسواء كان ذلك الرّجوع أثناء المدّة أو في آخرها شريطة الرّجوع بالفعل، أي بمقاربة نسائهم.

وقوله تعالى: (وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) أي صمّموا على عدم مقاربة نسائهم فإنّ الله عليم بنيّاتهم ودوافعهم في ذلك، إذ قد يكون للأزواج عذر في ذلك إمّا لحمل نسائهم علىمراعاة حدود الله وزجرهنّ في بعض التّصرفات الدّنيئة أو لافتقاد حسن العشرة … إلخ.

٣٥٧ / ٦٬٧٦٧