سورة البقرة
الجزء ١ · صفحة ٣٨بعد ذكر صنفَيْ المتّقين ممّن اهتدوا بهدْي الكتاب والثّناء عليهم، انتقل السّياق إلى ذكر أضدادهم ممّن جحد وكفر جهرةً وعلانيّةَ، ويُسمّون في اصطلاح القرآن بالمشركين أو الذين كفروا، ثمّ ذكر الفريق الثّالث ممّن أظهر الإيمان وأضمر الكفر، وهم المنافقون في اصطلاح القرآن، فقال جلّ من قائل: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَآءٌ عَلَيْهِمُ، ءَآنذَرْتَهُمُ، أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاََ يُومِنُونَ).
يُلاحَظُ عدم الرّبط بين الصّنف المهتدي بهدي القرآن وصنف الذين كفروا، ويُلاحَظُ عدم الرّبط بعطف أو نحوه للدّلالة على الانفصام التّامّ بين الفريقين وعدم مشاركتهما في شيء ما؛ إنّها المفاصلة التّامّة بين الفريقين، كما أكّدته سورة "الكافرون" من السّور القصار المكّيّة حيث احتدم الصّراع بين الحقّ والباطل في أوّل مراحله من مسيرة الدّعوة الإسلامية، فكان من اللّطف الرّبّاني أن يُسلِّي رسوله لمواجهة تلك التّحدّيات بمثل هذا البيان لتصنيف مواقف النّاس إزاء الهداية السّماوية، فهُم لا يتساوون في قابلية التلقّي والاستماع والاهتداء.
وقد رُوعِي في مراتب التّصنيف الأفضليّة مع ذكر معايير التّقييم، فإذا كان المتّقون في تلك المنزلة العليا من الفوز والفلاح، فإنّ أضدادهم من الكفّار الجاحدين لهم عذاب عظيم، إذ أنّهم ميؤوس من إيمانهم مهما حاول الرّسول معهم بأساليب التّبليغ، وليس في كتاب الله عيب ولا تقصير في إقامة الحجّة وإنارة الطّريق، ولكن النّقص والعيب في هؤلاء النّاس الذين تبلّدت حواسّهم واستغلقت قلوبهم فلا منفذ لها لنور الكتاب وهدايته، إذ يستوي عندهم الإنذار وعدمه، فهم لا يؤمنون، إمّا بُغضاً وإمّا كُرهاً للحقّ بفساد طبعهم، أو عناداً وعداوة لمن دعا إليه.