نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة البقرة

الجزء ٢ · صفحة ٩٦

وعندما نزل قوله تعالى من سورة النساء: (إِنَّ الذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا اِنَّمَا يَاكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) (النساء:10) تحرّج المسلمون في مخالطة اليتامى حتى اضطروا إلى عزلهم في الطعام والشراب وعزل أموالهم وأصبحوا كالمنبوذين، إذ أنّ المسلمين الأوّلين كانوا يتجاوبون مع القرآن ويأخذونه بقوّة، فلا عجب أن يكون منهم ذلك الموقف أمام ذلك الوعيد الشديد في الآية. ولكن الله الحكيم في تدبير شؤون خلقه لم يتركهم حيارى وأنزل هذا الإرشاد الحكيم جواباً عن سؤالهم في القضية فقال جلّ من قائل: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ اِليَتَامى قُلِ اِصْلاَحٌ لَّهُمِ خَيَرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَ اللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ اَلْمُصْلِحِ وَ لَوْ شَآءَ اَللهُ لَأَعْنَتَكَمُ، إِنَّ اَللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).

قيل: إنّ السائل هو عبد الله بن رواحة رضي الله عنه، فقد أخرج أبو داود والنسائي والحاكم عن عبد الله ابن عباس قال: لما نزلت (وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليَتيمِ إِلاَِّ بِالِتي هِيَ أَحْسَنُ) (الأنعام: 153)، (إِنَّ الذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامى ظُلْمًا … ) (النساء:10) انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعل يفضل له الشيء من طعامه فيُحبَس له حتّى يأكله أو يفسد، فاشتدّ ذلك عليهم فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية.(1)

يلاحظ أنّ السّؤال جاء موصولاً بالعطف على ما سبق من السّؤالين عن الخمر والميسر وعلى الإنفاق، وذلك لما بينهما من المناسبة التّامّة، فعلى ذكر الإنفاق من مال الميسر على الفقراء والإنفاق من العفو فإنّ أولى الناس بالإنفاق عليهم هم اليتامى.

(1) 1– رواه أبو داود من حديث ابن عباس، كتاب الوصايا، باب مخالطة اليتيم في الطعام، حديث 2871، 3/ 114 والحاكم في المستدرك، حديث 2499، 2/ 113.

٣٩٩ / ٦٬٧٦٧