نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة البقرة

الجزء ١ · صفحة ٤١

إنّ هذا الرّجل كان النّموذج الواقعي لتلك الفترة العصيبة في أول الدّعوة الإسلامية بمكّة، وهو يجسّد هذه الصورة الحيّة التي رسمها الله للذين كفروا في هذه الآية الكريمة لتحجّر القلوب واستغلاقها، ومن القائلين لرسول الله في أنَفَةٍ وكبرياء: (قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ، وَفِي ءَاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنم بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلِ اِنَّنَا عَامِلُونَ) (فصّلت: 05).

والعجب كلّ العجب أن يسحره بيان القرآن ويُبهِره جلال النّبوّة فلا يملك إلاّ أن يعتزل أصحابه وينطوي على نفسه، وذلك يؤكّد ما للسّماع من تأثير على القلوب، حتّى اضطرّ هؤلاء الكفّار كما حكى الله عنهم إلى الإعراض عن سماعه والابتعاد عن القُرّاء حيثما كانوا، ممّا يدلّ على أنّ تذمّرهم الشّديد كان بسماع القرآن لا برؤية صحائفه، يقول الله تعالى في شأنهم: (وَقَالَ الذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَذَا القُرْءَانِ وَاَلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُم تَغْلِبُونَ) (فصّلت:26).

ولا تكون المغالبة إلاّ لشيءٍ ينازعك في القوّة وشدّة المراس، ولتأكيد هذا المعنى تظافرت آيات القرآن الكريم لتحريض المؤمنين على حُسن الإنصات لقراءة القرآن وتدبّر معانيه من مثل قوله تعالى:

أ- (وَإِذَا قُرِئَ القُرْءَانُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ، وَأَنْصِتُواْ لَعَلَّكٌم تُرْحَمُونَ) (الأعراف:204).

ب- (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ اَقْفَالُهَا) (القتال: 24).

ج- وقد جعل الله تعالى من أخصّ صفات المؤمنين تأثّرهم بسماع القرآن في قوله تعالى: (إِنَّمَا المُومِنُونَ الذِينَ إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُم وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَآتُهُ، زَادَتْهُمُ، إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (الأنفال:02).

٤١ / ٦٬٧٦٧