نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة البقرة

الجزء ٢ · صفحة ١٣٩

(وَعَلَى المَوْلُودِ لَهُ، رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ): المولود له هو الأب، وفي اختيار هذه الصّفة له دون الأبوّة إشعار بأنّ الولد ينتمي إليه ويُدعىله، والوالدية صفة مشتركة بين الأب والأم قد بيّن الله تعالى مسؤولية كلّ منهما فيها، فعلى الأب نفقة المرضع من كسوة وطعام لائقة بأمثالها ويكون ذاك بالمعروف أي بحسب ما تعارف عليه النّاس وفق مراتبهم ومنازلهم دونما إجحاف بحقّ أحد الطّرفين، … و لذلك عقبه بقوله تعالى: (لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ اِلاَّ وُسْعَهَا)، وهي تعليل لقوله "بالمعروف" وذلك وفق القاعدة العامّة المبيّنة في سورة الطلاق بقوله تعالى: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، فَلْيُنفِقْ ممَّآءَاتاهُ اللهُ لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا اِلاَّ مَآ ءَاتَاهَا … ) (الطلاق:7).

وهذا الحكم عامّ في جميع الأحوال التي تكون عليها وضعية الأسرة من دوام العصمة أو الفراق، لو طبّقه المسلمون لكفاهم شروراً كثيرة. وزيادة في تأكيد مصلحة الطّفل نهى الله الطّرفين عن مضارّة أحدٍ بالآخر بسبب الطّفل، فلا الأم تُحرم من إرضاع ولدها وهي به أشفق وأرحم ولبنها هو الأنسب بطفلها على ما حقّقه الطب الحديث، ولا الأب يُعنت بسبب ولده إذا امتنعت الأم عن إرضاعه أو كلّفت الأب ما لا يطيق.

وقوله: (وَعَلَى اَلْوَارِثِ مِثْلُ ذَالِكَ)، الوارث هو من يصير إليه مال الميّت بعد الموت بحقّ الإرث، ويبقى الاحتمال في المراد من (الْوَارِث) أهو وارث الأب أو وارث الولد؟. غير أنّ العطف على المولود له يقتضي أن يكون المعنى هكذا: فإن مات المولود له فعلى وارثه مثل ما كان عليه. والمثليّة تشمل النّفقة والكسوة وترك الإضرار بالمرضع. وللفقهاء تفريعات على ذلك لما يحتمله لفظ الوارث، وفي كلّ حالة فإنّ الرّضيع يكون مكفولا من أقاربه أو من ماله إذا ترك أبوه مالاً.

٤٤٢ / ٦٬٧٦٧