سورة البقرة
الجزء ٢ · صفحة ١٦٢الخطاب في صيغة التّعجيب والتّشويق، وهو موجّه إلى غير معين، والرّؤية علمية بمعنى: ألم ينته إلى علمك أيها السامع خبر الذين خرجوا من ديارهم، والمقصود من الاستفهام هو التّحريض على علم ما عُدِّي إليه فعل الرؤية.
وقد اختلف المفسّرون في المراد من هؤلاء الخارجين من ديارهم، لأنّ النّصّ لم يفصح عن هويّتهم ولا عن موطنهم وعصرهم، فقيل: هم قوم من بني إسرائيل كانوا قرب واسط في العراق، وقيل: هم قوم من أهل "أذرعات" في الشام، وقيل: إنّ القصّة جرت مجرى المثل وليست واقعية، بل أراد الله أن يضرب بها مثلاً لسنّته في حياة الأمم وموتها، ولا يهمّ في أمثال هذه القصص ذكر الأشخاص والمواقع، لأنّ القصد بها هو محل العبرة والموعظة، وقد مهّد الله بها لتكون دليلاً حيّاً للمسلمين لما لهم من الخير والصلاح في الجهاد بالنّفس والمال.
تعرض القصّة قوما خرجوا من ديارهم وهم كُثُرٌ حذر الموت، وفي ذلك تصوير لحالتهم النّفسية الخائرة إذ جمعوا عناصر الخوف والجبن، ويتمثّل ذلك في:
أ- الخروج من الديار: وذلك يدلّ على فقدانهم لعلاقة الحبّ والحنين التي هي من الصّفات الفطرية لكلّ كائن حي تربطه بمأواه ومستقره.
ب-كثرة العدد: التي تدعو إلى الثّبات والصّمود، على عكس ما فعلوه من الخروج والهروب.
ج-الحذر المفرط من أسباب الموت: وقد تكون عدوّاً طاغياً أو وباءً مهلكاً.
ذلك ما نفّذه القوم ظنّاً منهم أنّهم بذلك قد ابتعدوا عن الخطر، وهم غافلون عمّا تدبّره الأقدار ليكونوا عبرة لأولي الأبصار. لقد هربوا من قدر الله إلى قدره، إذ استقبلوا الموت بأمر الله التّكويني فقال لهم الله: (مُوتُوا)، إذ اقتضت حكمة الله أن يلاقوا ما فرّوا منه.