نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة البقرة

الجزء ٢ · صفحة ١٩٥

ولئن وقعت بعض المواجهات بين الإسلام وأعدائه من المشركين أو من أهل الكتاب، فرأى فيها المغرضون وصم الإسلام بالعنف والإكراه، فإنّ ذلك مغالطة سافرة، لأنّ التّطوّر المرحليّ في الدّعوة يقتضي تنويع الأسلوب وفق مواقف الأعداء، فحيثما لا ينفع الإقناع والحجّة فلا مناص من المعاملة بالمثل لدرء الفتنة والدّفاع عن مكاسب الدّعوة، إذ يقول تعالى: (فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَآءُ الْكَافِرِينَ) (البقرة:191). (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ) (البقرة:193). لأنّ تقرير حرية المعتقد -وهي أغلى ما يطلبه الإنسان بعد نعمة الوجود- يستلزم تقرير حرية الدّعوة حتّى لا يُفتن النّاس في أنفسهم وممتلكاتهم. والإسلام لم يحد عن هذا المنهج السّويّ، فنفي الإكراه في الآية جاء على نفي الجنس لقصد التّعميم لجميع أنواع الإكراه على الدّين بأيّ سبب من الأسباب، والجملة خبر في معنى النّهي.

ثمّ علّل الله تعالى نفي الإكراه بقوله: (قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَىِّ) أي لقد ظهر من هذا الدّين وجه الحقّ وسبيل الرّشاد، وأنّ ما خالفه من الملل الأخرى هو الكفر والضّلال، حتّى تلك التّي تدّعي القدسية بأنّها دين سماويّ، نظراً لما طرأ عليها من التّبديل والتّحريف.

٤٩٨ / ٦٬٧٦٧