سورة البقرة
الجزء ٢ · صفحة ٢١٠بعد تلك الجولة في بيان قصة الرّسل والرّسالات، وكان آخرها قصّة طالوت وجالوت وداود، والتي كانت مثالا على الصّبر والثّبات والمغالبة، تلك الجولة التي أنهاها الله بقوله: (وَإِنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ) (البقرة:252) لبيان أنّ المخاطب بهذا القرآن وإعلامه عن طريق الوحي بأخبار الأمم والرّسل ممّا لم يكن يعلمه هو دليل على صدق رسالته. بعد ذلك ذكر الله هنا أن الرّسل على درجات وأنه فضّل بعضهم على بعض، وأنّ الذين جاؤوا من بعدهم اختلفوا فاقتتلوا، وقد قدّر الله ذلك بين النّاس لدفع الكفر بالإيمان، قال الله تعالى: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ):
يستحضر الذّهن جماعة الرّسل وهو يسمع الإشارة بِـ"تِلْكَ" فيضفي عليهم كلّهم هالة من التّقدير والاحترام فهم وإن كانوا سواسية في اختيار الله إيّاهم لأمانة التّبليغ وهداية الخلق، فقد فضّل الله بعضهم على بعض، بخصائص في أنفسهم وفي شرائعهم وأممهم، وقد خصّ بالذّكر من بقي لهم أتباع فذكر بعض أمارات ذلك التّفضيل فقال:
أ- (مِنْهُمْ مَّن كَلَّمَ اللهُ): وهو موسى عليه السلام شرّفه الله بهذه المنقبة العظيمة، وهذا الكلام مباشرة بدون واسطة جبريل هو نوع من الوحي كما بيّن الله ذلك في سورة الشّورى: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ اَنْ يُّكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْيًا اَو مِنْ وَّرَآءِىْ حِجَابٍ اَوْ يُرْسِلُ رَسُولاً فَيُوحِي بِإِذْنِهِى مَا يَشَآءُ) (الشورى:51). ويوصف موسى بكليم الله لقوله تعالى:
- (وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) (النساء:164)
- (وَلَمَّا جَآءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّه) (الأعراف:143).
- (قَالَ يَا مُوسَى إِنّيِ اِصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَتِي وَبِكَلاَمِي) (الأعراف:144).