نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة البقرة

الجزء ٢ · صفحة ٢٢٠

(لَهُ، مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاَرْضِ مَنْ ذَا الذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِه): أي له الملكيّة المطلقة لما في السّماوات وما في الأرض، وهذه الجملة هي تعليل لاتّصافه تعالى بالقيّومية، والملكيّة من لوازم القيّومية، فالكلّ خاضع لمشيئته وتحت سلطته، فلا يجرؤ أحد من خلقه على أن يشفع لأحد، فيحمله على تعطيل سنّته أو تحريف مشيئته، بل الكلّ يقف أمامه موقف العبودية المستكنّة الخاضعة، ولا تكون الشّفاعة إلا لمن يأذن الله له. ومجيء الاستفهام على صيغة الإنكار يوحي بأن هذا لا يكون، وإنّما هو تمثيل لعظمة الله وسلطانه وردّ على المشركين بادّعائهم الشّفاعة لمعبوداتهم، والله أعلم بمن يُؤذن لهم في ذلك الموقف. وتذكر بعض الرّوايات أنها تكون للملائكة والأنبياء سيما رسولنا الأعظم.

(يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ): هذه الجملة هي تأكيد لعلم الله الشّامل ممّا يعلم النّاس وما يجهلونه، ممّا يعلمونه من الحاضر الذي بين أيديهم وما يجهلونه من ماضيهم ومستقبلهم، كلّ ذلك ثابت في علم الله لا يعزب عنه مثقال ذرّة في الأرض ولا في السّماء. والاستثناء في قوله تعالى: (إِلاَّ بِمَا شَآءَ) بمعنى إذا كان العقلاء من المخلوقات عاجزين عن الإحاطة بعلمه تعالى وهو (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) (الحشر:22) فإنّه قد يُطلع بعض أصفيائه من الخلق بما أراده عن طريق الإلهام أو الوحي، وحتىّ في العلوم الكسبية التي يسعى الإنسان بها إلى معرفة بعض الحقائق الوجودية في الأنفس والآفاق فهي خاضعة أيضا لمشيئة الله في إقدار الإنسان على كشفها أو إبقائها في طيّ السّتر والخفاء. قال تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، اِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ) (الجن:27 - 26).

٥٢٣ / ٦٬٧٦٧