سورة البقرة
الجزء ٢ · صفحة ٢٣٢لقد سكت النّص عن تعيين اسم الرّجل والقرية لأنّ العبرة بالحدث وما يوحي به من معان، وهو يوحي بأن الرّجل كان من أصفياء الله نظرا لما أيّده الله به من هذه الخارقة، وأشهر أقوال المفسّرين أن الرّجل هو عزير بن شرخيا وأنّ القرية هي بيت المقدس عندما خرّبها "بختنصر" وقيل غير ذلك. فسؤاله: (أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا)؟ ينمّ عن تفجّعه بهول ما رأى، فاستبعد أن تعمر القرية بعد ذلك الخراب، وهو لا ينكر قدرة الله في الإحياء ولكنّه عاجز عن معرفة لغز الموت والحياة، لأن ذلك من خصوصية الألوهية، (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن اَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُمْ مِّنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) (الإسراء:85).
أما وقد تعذّر بيان السرّ بالبرهان العقليّ فقد كانت الإجابة الرّبّانية بالتّجربة المباشرة في شخص الرّجل وحماره وزاده لتكون أروح للنّفس وأدعى للاطمئنان القلبيّ: (فَأَمَاتَهُ اللهُ مِاْئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ).
قيل: إن تلك الإماتة كانت بفقده للوعي والحركة مع بقاء الرّوح وهو نوع من النّوم العميق، كما ثبت للإنسان ذلك في بعض الحالات المرضية، أو لأنواع من الحيوانات مما يسمّيه العلماء بالبيات الشّتويّ وغيره. على أنّنا لا نستبعد أمام قدرة الله تعالى أن يكون ذلك موتا حقيقيّا لمدة معينة ثمّ بعثاً وإحياءً هما بمثابة الخارقة لهذا الرّجل، وكيفية ذلك علمها عند الله. والأغرب في الحادثة أن تختلف آثار الإماتة فتظهر على الحمار وحده، بينما تبقى جثة الرّجل على حالها كما قيل وكذا طعامه وشرابه، وكل ذاك تفنّن في إظهار قدرة الله، والمؤثّرات الطّبيعية واحدة في الجميع.