سورة البقرة
الجزء ٢ · صفحة ٢٥٦ومن الأساليب الحكيمة في التربية القرآنية أن يمهّد لموضوع التّحريم النّهائي لما بقي من الرّبا بمثل تلك الصّورة المركّبة لآكلي الرّبا، إذ يصوّر آكلي الرّبا -وقد استحوذت عليهم (هستيريا) حبّ المال- يصّورهم في صورة الممسوس المصروع يتخبّط خبّط عشواء في حركاته وتصرفاته، وذلك لما تكون حالته النّفسية من القلق والاضطراب، لا يهنأ له بال ولا يستقرّ على حال. وهذا التّشبيه جار على مألوف العرب ومعتقدهم في خبط الشّيطان للإنسان وأن الجنّ لهم تأثيرات عليه، ولذا يوصف المضطرب نفسيا وعقليا بالمجنون -عافانا الله-، والصّورة مرعبة موحية لاستجاشة المشاعر وتحريك الوجدان. وأما إسقاطها على واقع المرابين ومتى يقومون على تلك الحالة، فقد ذهب جمهور المفسّرين إلى أن المقصود بذلك القيام هو القيام من القبر يوم البعث، غير أن المحقّقين منهم قديماً وحديثاً يرون أن لا قرينة من النّص تدلّ على أن القيام يراد به البعث، ولا تخلو الرّوايات الواردة في ترجيح ذلك التّفسير من ضعف ومن شغف بعض الرّواة بالإسرائيليات، لأنّ واقع هؤلاء المرابين في الجري واللهث وراء المال يتحقق فيه هذا التّشبيه البليغ.
وقد جمع صاحب المنار بين الاحتمالين فقال: "ذلك بأنّه إذا كان ما شنّع به على المرابين من خروج حركاتهم عن النّظام المألوف هو أثر اضطراب نفوسهم وتغيّر أخلاقهم كان لابدّ أن يُبعثوا عليه، فإن المرأ يُبعث على ما مات عليه، لأنه يموت على ما عاش عليه، وهناك تظهر صفات النّفس الخسيسة في أقبح مظاهرها، كما تتجلىّ صفات النّفس الزّكية في أبهى مجاليها".(1)
(1) 1 - محمد رشيد رضا، تفسير المنار، ج 3، ص94.