نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة آل عمران

الجزء ٢ · صفحة ٢٩٥

(وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالاِنجِيلَ، مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ): والتّذكير بإنزال التّوراة على موسى والإنجيل على عيسى في معرض ذكر نزول القرآن لإثبات نبوءة رسول الله، والرّدّ على تكذيب أهل الكتاب للرّسالة الجديدة حسداً من عند أنفسهم لأنّهم يعرفون أنّها الحقّ، فهي منزّلة من الله منزّل التّوراة والإنجيل من قبل، وزيادة هذا القيد (مِن قَبْلُ) -وهو معلوم بداهة- للمبالغة في البيان، وللتوضيح بانّ نزول التّوراة والإنجيل كان تمهيداً وإرهاصاً لنزول خاتمة الرّسالات، وللإمام ابن عاشور ملحظٌ جيّد لزيادة هذا القيد قال: "وتقديم (مِن قَبْلُ) على (هُدًى لِّلنَّاسِ) للاهتمام به، وأمّا ذكر هذا القيد فلكي لا يُتوهّم أنّ هدى التّوراة والإنجيل مستمرّ بعد نزول القرآن، وفيه إشارة إلى أنّها كالمقدّمات لنزول القرآن، الذي هو تمام مراد الله من البشر: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الاِسْلاَمُ) (آل عمران:19). فالهدى الذي سبقه غير تامّ".(1)

قلت: ويقتضي هذا أن يكون لفظ النّاس في قوله: (هُدٍى لِّلنَّاسِ) يخصّ الذين خوطبوا بالكتابين، أو على اعتبار أنّ ذلك كان قبل نزول هدى القرآن.

و"الفرقان" كلمة عامّة تتناول كلّ ما يفرّق بين الحقّ والباطل فيكون كالتّعميم بعد التّخصيص، فتتناول كلّ الكتب المنزّلة من الله، ويُحتمل أن تكون وصفاً للقرآن اُعيد ذكره للاهتمام به، ولكونه أبلغ وأعظم في نشر الهدى.

(1) 1 - محمد الطاهر بن عاشور، التحرير والتّنوير، 3/ 149.

٥٩٨ / ٦٬٧٦٧