سورة آل عمران
الجزء ٢ · صفحة ٣٠٣قلت: إنّ الهداية بنور القرآن تكون بتوفيق من الله تعالى، إذا ما أحسن المستمع الإصغاء إلى آياته وتجاوبت نفسه مع أسراره ومعانيه، خشيةً لله وإذعاناً واستسلاماً بأنّه كلام الله، وأنّه صدق وحقّ في كلّ يحتويها من الأخبار والعلوم والأحكام والإرشادات، وقد يوفّق الضّالع في العلم إلى مثل هذه الهداية، بل لا يزيده القرآن إلاّ غروراّ وضلالاً، ولذا كان من شأن الموفّقين من العلماء أنّهم بأزاء محكمه ومتشابهه يعبّرون عن ذلك الاستسلام والتّفويض إلى الله بفعل الإيمان (ءَامَنَّا بِه) أوّلاً، ثمّ هم يطلبون من الله أن يثبّتهم عليه بعد الهداية والإيمان به: (رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا)، فللقلوب اضطرابات وهزّات قد تطوّح بأصحابها في متاهات الحيرة والشّكّ إذا لم يكن لها من الله عون وتوفيق.
(وَمَا يَذَّكَّرُ إِلآَّ أُوْلُواْ الاَلْبَابِ): تذييل لمد الرّاسخين في العلم المتّصفين بالإيمان واليقين المغمورين برحمة الله.
(رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ): ورحمة الله تطلب للدّنيا والآخرة، فإذا كان الرّاسخون في العلم والمؤمنون بهداية القرآن يطلبون من الله الرّحمة لثباتهم على الهدى، فلأنّهم يستشرفون تلك الرّحمة -أيضاً- في النّعيم الأبدي، يوم يجمع الله النّاس ليوم الحساب، لأنّه من تمام الهدى والتّوفيق الإيمان باليوم الآخر، وهو مفرق الطّريق بين أنواع النّاس في النّجاة والهلاك، فهؤلاء الرّاسخون في العلم ينفون كلّ أثر للشّكّ من نفوسهم في وقوعه ليوم لا ريب فيه، يقول الله تعالى: (أَلآَ إِنَّ الذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلاَلٍم بَعِيدٍ) (الشورى:18).