نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة آل عمران

الجزء ٢ · صفحة ٣٣٨

وفي قوله تعالى: (وَمَنْ يَّفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ)، الإشارة إلى ذلك الاتخاذ لتقبيح واستهجان ذلك الفعل الذي يجعل صاحبه مقطوع الصّلة بالله في جميع أحواله إلا في حالة واحدة وهي التّقية باللّسان في حالة الضّعف والخوف مع الإنكار بالقلب والوقوف عند الحلال والحرام كما قال ابن عباس: «ليس التّقية بالعمل إنما التّقية باللّسان»(1)، وذلك من قوله تعالى: (مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنُ اكْرِهَ وَقَلْبُهُ’ مُطْمَئِنٌّ بِالاِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النحل:106).

والعلماء في قضية التّقية بين مشدّد منكر لها تماما، وبين مجيز لها في كل حالة، والمسلك السّليم هو ما قررته الآية الكريمة في هذا الاستثناء الذي تراعى فيه حالة الضّرورة للمسلم ليدفع ضرّا أو ليجلب نفعا، ولكن دونما إفراط في التّقية بعمل يحلّ به حراما أو يحرّم حراما أو يدلّ على عورة المسلمين مثلا. وبما أن هذا الموقف من المؤمن في حالة الضّرورة تقديره يرجع إلى الله العليم بذات الصّدور جاء التّحذير بقوله: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ’ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ)، وجعل التّحذير من نفس الله هو لتعظيم صورة العقاب، بأنه عقاب يتولاه الله بنفسه كيف يشاء لمن والى أعداءه ولا يعجزه ذلك لأنّ مصائركم كلّها إليه.

(قُلِ اِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمُ (أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاَرْضِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ): في هذا الأمر استجاشة لشعور المؤمن وإيقاظ لضميره في مراقبة الله واستحضار خشيته، وأن علمه تعالى محيط بكل شيء سواء عنده السّرّ والعلن، أو عالم الغيب والشّهادة، لأن قدرته لا تحدّها حدود.

(1) 1 - ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، 3/ 358.

٦٤١ / ٦٬٧٦٧