سورة البقرة
الجزء ١ · صفحة ٦٦غير أنهم غافلون تماما عن إدراك ذلك التناسق العجيب بين أجزاء الكون، وعن التناسب القوّي في خلقة الإنسان وموقعه من ذلك الكون العجيب، ومن ثم قصرت مداركهم عن استخلاص دلائل الوحدانية للخالق، فكان من الضروري لفت أنظارهم إلى مجالات التدبّر والتفكير، والمقارنة والتنظير، وغالبا ما يربط القرآن بين خلق السماوات والأرض، على اعتبار تكاملهما في الأسباب والوسائل لضمان حياة الكائنات وعلى رأسها هذا الإنسان المكلف، فالأرض له فراش ووطاء بكل ما في التصوير من معاني التمكّن والاستقرار وراحة العيش، والسماء له بناء وغطاء بكل ما في ذلك من معاني الوقاية والحفظ، ثم ما ينشأ بينهما من مكوّنات الماء والهواء وما ينتج عنهما من الثمرات والأقوات التي تكفل الأرزاق للأحياء، وذلك ما لا ينكره حتى أعنت الجاحدين، فكيف بمن له أثارة من الإيمان بالخالق.
(فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ): الفاء لترتيب النهي الذي بعدها على الكلام السابق. فقد نهاهم عن جعل الندّ لله، أي هذا الإله الذي تعترفون بوجوده، وقد دلت الدلائل الواضحة على عظيم قدرته وجلاله، فما يليق به سبحانه وتعالى أن تجعلوا له ندّا في عبادتكم، لأنه بما سخّر لكم في السماوات والأرض من المنافع والأرزاق قد أغناكم عن غيره ممن لا ينفع ولا يضر، فأنتم بتوجهكم لتلك الأنداد واستشفاعكم بها قد سوّيتم بينها وبين الله في العبادة، وذلك من جهلكم وتوهّمكم، وإلاّ فإن الخالق العظيم ليس له ندّ ولا مثيل.
(وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ): جملة للتذييل، وقد أنزلهم الله تعالى بمنزلة من يعلم بالقوة لا بالواقع، لأن المفروض أن يستعمل الإنسان عقله حتى يدرك هذه الحقائق وفي ذلك تنويه بشأن العقل والعلم لإثارة الهمم في هؤلاء الناس عساهم يهتدون إلى الصواب، وهذا الأسلوب اللطيف هو النموذج الأعلى من أخلاقيات الدعوة، جعلنا الله تعالى من الهداة المهتدين.
و الله أعلم