نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة آل عمران

الجزء ٢ · صفحة ٤٠١

هناك روايات متعددة في سبب النّزول تعكس جانبا من المعاملات اليومية في المجتمع المدنيّ بين المسلمين واليهود، والتي تنبني على الختل والغش من طرف اليهود حسدا وغرورا، فبعد بيان أوصافهم الدّنيئة في مجال المعاملات والمبادلات قال جلّ من قائل: (وَمِنَ اَهْلِ الْكِتَابِ مَنِ اِن تَامَنْهُ بِقِنطَارٍ يُوَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنِ اِن تَامَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُوَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الاُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ، بَلَى مَنَ اَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ).

المناسبة التامّة في تتابع الآيات لبيان أوصاف أهل الكتاب تقتضي هذا العطف بين الآيات السّابقة واللاحقة.

قوله تعالى: (وَمِنَ اَهْلِ الْكِتَابِ) يؤدي معنى "طائفة"، وتقديم المسند على المسند إليه لإفادة التّعجيب.

ومن آداب القرآن في ذكر خصائص الأمم والشّعوب أنّه لا يعمّم الحكم على المجموع لأنّه من سنن الاجتماع البشري وجود طائفة لا تنساق مع الواقع المعيش مهما استشرى الفساد، والرّسول صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أعظم الناس فرية اثنان: شاعر يهجو القبيلة بأسرها، ورجل انتفى من أبيه»(1)، وعلى هذا السّنن الاجتماعي يبيّن الله تعالى أن أهل الكتاب في آداب المعاملة على فريقين:

أ) - فريق يحافظ على الأمانة ويؤدّيها بوفاء تعفّفا عن الخيانة، وإن كانوا يزعمون أن دينهم يبيح لهم خيانة غيرهم، وقد اشتهر منهم في ذلك الشّاعر السّموأل في الجاهلية وعبد الله بن سلام في الإسلام.

وفي ذكر هذا الفريق قبل ضدّه من الخونة إنصاف لحقّ الأمانة وإشادة بالمتّصفين بها.

(1) 1 – رواه ابن حبان من حديث عائشة، باب الشعر والسجع، حديث5785، 13/ 102.

٧٠٤ / ٦٬٧٦٧