نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة البقرة

الجزء ١ · صفحة ٧١

ويبدو لي -والله أعلم- أن ليس المقصود بذلك المطلوب المتحدى به هو الإتيان بكمية محددة من الآيات أو السور يعجزون هم عن الإتيان بمثلها مجتمعين أو متفرقين، وهم أساطين الفصاحة والبلاغة، سيما أهل مكة وقد نزل القرآن على لغتهم، وإنما المقصود هو إثبات عجزهم ابتداء على الإتيان بالحدّ الأدنى المتمثل في سورة واحدة بله الإتيان بالحد الأوسط أو الأعلى المتمثل في عشر سور أو بجملة القرآن، ويرجح هذا المعنى قوله تعالى: (فَإِن لََّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ التِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ)، ولم يقل مثلا: "ولن تستطيعوا"، ليدلّ بذلك على أنهم عاجزون حتى على مجرّد المحاولة، وهم لتمام عجزهم لم تبدر منهم أية بادرة في ذلك، لأنهم لم يجدوا في مألوف أساليبهم وتعابيرهم من الشعر أو النثر أو الخطابة والسجع ما يستطيعون به محاكاة ما في القرآن من أسلوب ممتاز هو في ذروة الفصاحة والبلاغة. وَهَبْهُم فعلوا ورفعوا أسلوبهم إلى ذلك المستوى من الشَّكل فمن أين لهم بالمضامين القرآنية التي هي من علم الله لا يعرفون عنها شيئا؟، سيما وأنَّ هذا التحدِّي جاء مؤكدا لما في مطلع السورة وأن هذا الكتاب المتحَدَّى به جاء مَصُوغا من تلك الحروف التي يعرفونها، لذا جاء وصف (مفتريات) في سورة "هود" في موقعه المناسب، إذ أن فصاحة الكلام وجودة سبكه لا تستلزم أن يكون صادق المدلول في حدِّ ذاته، كما هو معروف في واقع الناس، وتعالى الله عن اللغو والتلفيق والمراء.

٧١ / ٦٬٧٦٧