سورة آل عمران
الجزء ٢ · صفحة ٤٢١ج) - (وَجَآءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ): فهو إيمان بعد النّظر والتّأمل الّذي يؤدي إلى القناعة الذّاتية والاعتقاد الرّاسخ ومع توفّر هذه الأسباب من الأدلة و البيّنات، وعدم الموانع من النّظر فيها على الوجه الّذي يؤدّي إلى المطلوب، فقد يرتكس قلب الإنسان ويتقلّب، فلا يمنعه توفّر تلك الوسائل من الارتداد إلى الكفر، وذلك هو أفدح الظّلم الّذي يقفل أمامهم أبواب الهداية، ويطردون من رحمة الله، ومن رجاء الخير لهم من أهل طاعته ورضوانه.
(أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُمُ (أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ):
الإشارة للتنبيه على أنهم أحرياء بما يرد بعد اسم الإشارة من الوعيد الشّديد، فهم مغضوب عليهم في الملأ الأعلى من الله تعالى أولا، وهو مصدر الرّحمة لكل خلائقه، وهو يكرّم عباده المؤمنين برحمته الخاصّة فيحظون بالعزة والتّمكين وبالتّوفيق والسّداد في الدّنيا، وبجنته ونعيمه في الآخرة. وهؤلاء المرتدون محرومون من هذه الرّحمة. ويستتبع غضب الله غضب الملائكة، وقد قال الله عنهم: (وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الاَرْضِ) (الشورى:5). فبئس ما يتعرّض له هؤلاء المحرومون من الدّعاء عليهم بالشّر والوبال. ولعنة النّاس عليهم أجمعين -وفيهم مؤمن وكافر- لأن حالة المرتدين تكون مستنكرة من جميع النّاس مؤمنهم وكافرهم لأنها تنمّ عن النّفاق والتّقلّب والاستهتار والنّاس من طبعهم أنهم لا يحترمون ذا الوجهين، بل هم لا يوالون إلا من يجدونه ثابتا على فكرته إن خيرا أو شرّا وقد قال الشّاعر العراقي الزّهاوي:
إذا رمت أن تلقي من النّاس حرمة فكن سيّدا للخير أو سيّد الشرّ.
(خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ): الضمير يرجع إلى اللّعنة، والعذاب من لوازمها في الدّنيا والآخرة.