نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة آل عمران

الجزء ٢ · صفحة ٤٦٨

وقوله تعالى: (قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمُ (إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) دعاء على الأعداء أن يموتوا بغيظهم والغيظ للحسود نقمة عليه، ويزداد ذلك عليه كلما ازدادت نعمة محسوده، وهي هنا قوة الإسلام وعزة المسلمين، والله تعالى هو المتمّ لذلك وهو مطّلع على دسائس الأعداء، وهو مطلعك على دخائلهم.

(إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضِرْكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً اِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ): زيادة في الكشف عن دخائل الأعداء أوضح الله ظواهر حقدهم وحسدهم في ما يصيبه المسلمون من نصر أو هزيمة، أو ما يتعرضون إليه من خير أو سوء مما هو من سنن الحياة، غير أن هؤلاء الأعداء لا ينفكّون عن التّشفّي عند المصيبة، وعن التّحسّر عند الخير والنّعمة، وجاء التّعبير للحالتين بالحسنة والسّيئة، ولا يقصد بهما المعنى الشّرعي بل هما ما يسوء الإنسان أو يسرّه من الحوادث والأحوال التي يتعرّض لها.

ثم أرشد الله تعالى الجماعة الإسلامية إلى كيفيّة مواجهة الأعداء والتّصرّف مع أذاهم فأمرها بالصبر والتّقوى، ولا يعني الصّبر المأمور به هنا ذلك الموقف السّلبّي أمام مكايد الأعداء بالانطواء والتّخاذل عن الجهاد في سبيل الله وإعداد العدّة المادية للقتال والمجابهة إذا جدّ الجدّ كما فعله المسلمون في أيام ضعفهم حيث يفزعون متخاذلين إلى بيوت الله لتلاوة القرآن أو صحيح البخاري، وليس من العفوية في بلاغة القرآن أن يقع هذا التّذييل بالتّحريض على الصّبر والتّقوى لينتقل السّياق إلى استعراض أحداث غزوة أحد التي تعتبر المحكّ القويّ لتمحيص الجماعة المسلمة أمام المحن والشّدائد حيث كانت للباطل وأعوانه صولة وجولة، لم يخضد المؤمنين شوكتها إلاّ بالصّبر وتقوى الله، وهم ملتفّون حول رسول الله يفدونه بالنّفس والنّفيس بما سيأتي.

٧٧١ / ٦٬٧٦٧