نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة البقرة

الجزء ١ · صفحة ٧٨

وهل هناك من تصوير أفظع لما يمكن أن يلحق بالإنسان من ألوان العذاب والشقاء من قوله تعالى في شأن جهنَّم: (وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، مِّنْ وَّرَآئِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ، يَتَجَرَّعُهُ، وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ، وَيَاتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَّرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ) (إبراهيم: 15 - 17).

يقول الشيخ محمد الغزالي -رحمه الله- في كتابه القيم (نظرات في القرآن): "ووصفه الجنة أو النار بهذه النعوت الواضحة له ناحيتان: الأولى تقرير الحقيقة كما أوجدها الله وذكر للشيء بطبيعته المجرَّدة، والأخرى غرس هذه الحقائق في ميادين التعليم والتربية والوعظ والإرشاد لتساعد فطام العصاة عن الرَّذائل، وإغراء الأتقياء بالفضائل، فالإنسان يعينه على الحق أن يرتقب الخير من فعله، ويزجره عن الشَّر أن يتوقَّع الدواهي من ارتكابه، واللَّذة والألم قوانين نفسانية قديمة وتجاهلها إغماض عن حقائق قائمة، والزعم بأن الإنسان قد يعلو على اللَّذة والألم، أو بتعبير دقيق يتخلَّص من كلِّ إحساس ماديّ للسعادة والشقاء وهم بعيد."(1)

قلت: إن الناس يلتمسون مشتهياتهم ولذّاتهم القصوى في مسكن أنيق ومطعم طيِّب، ومنكح شهيّ، وقد جمع الله ذلك في الآية الكريمة وهو يصف الجنة:

أ - فالمأوى المريح يتمثل في هذه الجنات تجري من تحتها الأنهار، فهي جنات وأنهار بصيغة الجمع تتعدد أشكالها وألوانها ومناظرها تسيل أنهارها بكلّ ما يلذّ ويطيب من أنواع الشراب وتتدنى قطوفها بكل ما يشتهي من الثمار، قال تعالى: (فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ ءاسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لََّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ، وَأَنْهَارٌ مِّن خَمْرٍ لََّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) (القتال: 15).

(1) - محمد الغزالي، نظرات في القرآن، 91.

٧٨ / ٦٬٧٦٧