نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة آل عمران

الجزء ٢ · صفحة ٤٩٦

والخلاصة: أن نفي العلم هنا هو بمعنى نفي المعلوم كنفي اللازم وإرادة الملزوم، والنّكتة في ذلك هي الإشعار بأن العلم إنما يكون صحيحا بظهور متعلّقه بالفعل عقب على ذلك بقوله تعالى: (وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ)، الواو فيه للمعية والمعنى: أتحسبون أن تدخلوا الجنة في حال انتفاء علم الله بجهادكم مع انتفاء علمه بصبركم. مثاله أن يقول الرّجل: ما علم الله في فلان خيرا. والمراد: ليس فيه خير حتى يعلمه الله.

(وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ):

تمنّي الموت هنا بمعنى تمنّي الشّهادة في سبيل الله أو المقصود به الحرب لأنها من مسبّبات الموت. تقول الرّواية: إن كثيرا من الصّحابة ومنهم من لم يشهد بدرا كانوا يلحّون في الخروج إلى "أحد" ويتمنّون لقاء العدوّ حتى ينالوا فضل أهل "بدر". ولكن بعضهم ولّى عند اشتداد البأس يوم "أحد" فكان هذا العتاب لهم من الله.

(وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ):

يقول الشّاعر العربّي:

الأماني حلم في يقظة … والمنايا يقظة من حلم.

استهل الخطاب باللام المشعرة بالقسم لتأكيد الخبر، قد تُطوِّح الأماني بالإنسان فينسج من خياله أشياء غريبة عن الواقع، وهو في أثناء ذلك بعيد كل البعد عن حقائق تلك الأشياء، إذ يسيء التّقدير للمعطيات والظّروف فيخطئ الحكم ويغالي في التّصوّر، حتى لكأنّه في تلك الشّطحات النّفسية يعيش في حلم جميل سرعان ما تصدمه حقائق اليقظة فيُشْدَه ويحار.

٧٩٩ / ٦٬٧٦٧