نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة آل عمران

الجزء ٢ · صفحة ٤٩٨

في ذلك الجوّ المشحون المضطرب نزل قوله تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ اِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ اَنقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَّنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَّضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ):

إن هذه الحادثة -على ما سبّبته من الألم والحزن- ساقتها الحكمة الإلهية لتكون أولا محكّا للجماعة المسلمة في إيمانها وقوة عزيمتها ثم وسيلة حيّة لتلقينها دروسا ضرورية لما يستقبلها من الأحداث الجسام، ومن أعظمها وفاة رسول الله في السنة العاشرة من الهجرة.

(وَمَا مُحَمَّدٌ اِلاَّ رَسُولٌ): من قصر الصّفة على الموصوف. (قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ): والصّفة الرَّسُولية لا تجرّده عن صفته الإنسانية القابلة للزوال والفناء بالقتل أو غيره، وله أسوة بالرّسل من قبله في الرّسالة وفيهم من قتل أو توفّي، بعد أن أدّوا رسالتهم بأمانة فبقيت منتشرة في أتباعهم، لأن مبادئ الحق والعدل التي تحملها هي الباقية -بإذن الله- وأما الرّسل الذين يبلغونها بأمر الله فهم بشر كتب عليهم الفناء كما قال الله تعالى لرسوله في سورة الزّمر: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ) (الزمر:30 - 31)

فلا يقصد من إرسال الرّسول ذاته، مهما كانت مكرّمة عند الله وعند النّاس، وإنما المقصود هو الهداية التي أرسل بها.

(أَفَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ اَنقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَّنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَّضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ):

الاستفهام للإنكار، وكل الجمل من بعده تعبّر عن العتاب والتّقريع على مواقف كثيرة كانت سبب الهزيمة يوم أحد.

٨٠١ / ٦٬٧٦٧