نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة آل عمران

الجزء ٣ · صفحة ١٧

وكان مثل ذلك الظّن السيئ منشأ تساؤلهم: (هَل لَّنَا مِنَ الاَمْرِ مِن شَيْءٍ)، أي هم بُرَآءُ ممّا حدث من الهزيمة إذ لو كان لهم رأي ما خرجوا للقتال وبالتّالي لا يتعرّضون إلى ما تعرّضوا إليه من الآلام والمصائب، وهم لفساد تصورّهم يخلطون ما بين خصوصية الله من التّقدير والتّدبير لأمور خلقه وما بين صفات الرّسول من الأمانة والتّبليغ، وأنه ليس بمقدوره أن يتحكّم في الأسباب والمسبّبات في إيقاع النّصر أو الهزيمة، وبالتّالي فهم ينفون عن الرّسول صفة النّبوءة لأنّه هزم، فجاء الرّدّ الإلهي حاسما يتخلّل مقولتهم الضّالّة: (قُلِ اِنَّ الاَمْرَ كُلَّهُ’ لِلَّهِ … )، إذ هو وحده المقدّر والمدبّر لشؤون الخلق، فليس لهم من الأمر شيء بل ولا لرسوله منه شيء. والأقدار تجري وفق ذلك التّدبير الحكيم في كل الأحوال مهما سرّتكم أو ساءتكم من النّصر والهزيمة في وقت الحرب، أو من الرّخاء والشّدة في وقت السّلم.

ومن طبيعة المنافقين أنهم لا يكشفون عمّا يضمرون في نفوسهم من النّوايا الخبيثة، والرّسول وصحابته محكوم عليهم أن يتعاملوا معهم وفق ظواهرهم، ولكنّ الله العليم بذات الصّدور يكشف خباياهم، وأنهم غير راضين بما أصابهم، ويعتقدون أنهم ضحايا سوء التّقدير في قيادة رسول الله قال تعالى: (يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الاَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا).

وحين تضطرب النّفوس في عقيدتها، وتخوى القلوب من الإيمان الصّحيح فإنها تبقى حبيسة التّصوّر الفاسد في حقيقة الألوهية فلا تحكم على ما يجري إلا بمنطق المشاهد المحسوس دونما علاقته بأيّة قوة غيبيّة من وراء ذلك.

٨٢٠ / ٦٬٧٦٧