سورة آل عمران
الجزء ٣ · صفحة ٣٧(اَوَلَمَّآ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدَ اَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا): جملة (اَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا) صفة لمصيبة. "مِثْلَيْهَا": بمعنى أصبتم من العدّو يوم "بدر" ضعفي ما أصابكم به يوم "أحد"، إذ قتل المسلمون في "بدر" سبعين من المشركين وأسروا سبعين، بينما قتل المشركون يوم "أحد" سبعين من المسلمين، إذ الأسر من رزايا الحرب، والأسير في حكم القتيل غالبا. و"لَمَّا": بمعنى "حين" مضمَن معنى الشّرط، جوابه: (قُلْتُمُ (أَنَّى هَذَا): "أَنَّى" بمعنى: من أين؟ تعجّبا وإنكارا. (قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُم): أي بعصيانكم لأمر القائد، ثم باختياركم للخروج من المدينة خلافا لما رآه الرّسول. (وَمَآ أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللهِ): الجَمْعَانِ: جمع المؤمنين وجمع الكافرين في "أحد"، و"إذن الله": مجاز في تخلية الله بين أسباب المصيبة وبين المصابين. (فَادْرَءُواْ عَنَ اَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ): أي ادفعوا الموت وردّوها عنكم.
ج) - البيان والتّفسير:
يتتابع السّياق في استعراض أحداث "أحد"، لكشف الشّبهات التي عرضت للمقاتلين في الغزوة والرّد على المنافقين في ضلال أقوالهم وأفعالهم، قال تعالى: (اَوَلَمَّآ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدَ اَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمُ (أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمٌ (إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
يقول الشّاعر الحكيم:
يغمى على المرء في أيام محنته حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن
لقد هالت المؤمنين صدمة الهزيمة بعد النّصر في أول المعركة، ذلك لخطأ في التّصوّر، إذ استغربوا ما وقع لهم، ظنّا منهم بأنهم لا بدّ وأن ينتصروا لأنهم مسلمون يجاهدون في سبيل الله، فشاءت حكمة الله أن يمرّوا على محكّ التّجربة، فتمحّصهم تلك الشّدّة ليتبيّنوا سنة الله، ويتعاملوا مع واقع الأمر.