نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة آل عمران

الجزء ٤ · صفحة ١٧

(وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَآ إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ): المراد بالحياة الدّنيا حياتنا الأولى على وجه الأرض ووصفت بالدّنيا وهو مؤنث الأدنى، نظرا لما تقوم عليه من المتناقضات وما يحتوشها من المتاعب والمصائب، ثم ما يعتريها من الفناء العاجل، وكونها متاع الغرور بصيغة الحصر لأنها في الواقع تغرّ الإنسان وتفتنه وهو يلهث وراء سرابها مخدوعا بتوهّم السّعادة والهناء، فيطلب المزيد من ذلك المتاع في مزيد من التّعب والمشقة، ثم لا ينتهي إلاّ صريعا معنّى، وما أروع قول المعرّي في شأنها:

تعب كلها الحياة فما … أعجب إلا من راغب في ازدياد

(لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الذِينَ أَشْرَكُواْ أَذىً كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الاُمُورِ):

ما يزال السّياق يركّز على تسلية رسول الله والمؤمنين، فتصدّرت هذه الآية باللام المشعرة بالقسم ونون التّوكيد الشّديدة لإفادة تحقيق الابتلاء، وصيغة المضارع لإفادة تجدّده واستمراره، وما مضى في غزوة "أحد" إن هو نموذج لسنة الحياة في صراع البقاء، ومن شأن هذا الإخبار الإلهيّ أن تستعدّ الجماعة المسلمة لما يستقبلها في مسار دعوتها وقد اختارت طريق الجنة وهو محفوف بالمكاره.

ويندرج هذا الإرشاد في إطار التّعبئة الرّوحية والنّفسية للمؤمنين وقد عدّدت أسباب تلك المعاناة التي يواجهونها فجمعت بين الابتلاء في الأموال والأنفس وهو ضريبة النّصر والتّمكين وبين سماع المكروه من الأعداء، وهو ما نصطلح عليه اليوم (بحرب الإشاعة) في إطار الحرب الباردة.

٨٨٠ / ٦٬٧٦٧