نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة البقرة

الجزء ١ · صفحة ٨٩

ويبدو لي -والله أعلم- أنه لما كانت صيغ الجمل المتعاطفة في الآية الكريمة قد اختلفت ما بين الماضي والمضارع نجد أن الذي يقف في الزَّمان الحاضر هو الإنسان المخاطب ضرورة أن الزَّمان في أطواره الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل هو جزء من بناء وجوده، وبما أن الماضي بالنسبة إلى وجوده الحاضر كان عدما لا يستطيع معرفة أبعاده ولا تقدير أطواره -إن في عالم الذرّ في ظهور بني آدم، أو في أرحام الأمَّهات- وكان ذلك مما يختصّ الله بعلمه، ناسب أن يكون العطف بالفاء في الطَّورين الأوَّلين، للدّلالة على مجرّد تعلّق إرادة الله بإيجاد هذا الكائن فكان، وعندما أبصر الإنسان نور الحياة وشعر بوجوده في أبعاد الزَّمان، كان ما يأتي عليه من الموت الثاني الذي يلاحقه ويؤمن به، أو الإحياء الثاني -سواء آمن به أم لم يؤمن- كان ذلك بالنسبة إليه شيئا بعيدا، ولذا ناسب العطف بـ"ثم" مع صيغة المضارع، وهذا ما عبَّر عنه القرآن في قوله تعالى في سورة المعارج: (اِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا، وَنَرَاهُ قَرِيبًا). ولكن هذا الإنسان الجحود، عندما ينكشف له الغطاء فيرى ببصره الحديد حقيقة ما كان ينكره في يوم الوعيد، لا يملك إلا أن يعترف خاضعا ذليلا، وهو لا يجد إلى الخلاص سبيلا، يقول تعالى على لسان المجرمين وهم يعترفون بمضمون هذه الآية في الموتتين والحياتين فيقولون: (قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلِ اِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ) (غافر:11).

٨٩ / ٦٬٧٦٧