سورة آل عمران
الجزء ٤ · صفحة ٣١د) - أن الوعد كان لمجموع الأمّة، فكلّ واحد إذا دعا بهذا الدّعاء فهو يرجو أن يجعله الله ممن يرى مصداق وعد الله.
(وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ): يقول الإمام الرّازي تعليقا على تفسير هذه الآية: "إنّه -سبحانه- حكى عن هؤلاء المؤمنين أنهّم طلبوا في هذا الدّعاء أشياء، فأول مطالبهم الاحتراز عن العذاب الجسماني: (فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ). وآخرها الاحتراز عن العذاب الرّوحاني: (وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ). وقولهم: (إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ) ثناء لله ختم به الدّعاء".(1)
(فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمُ (أَنِّي لآَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ اَوُ انثَى بَعْضُكُم مِّنْ بَعْضٍ فَالذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الاَنْهَارُ ثَوَاباً مِّنْ عِندِ اللهِ وَاللهُ عِندَهُ’ حُسْنُ الثَّوَابِ):
ارتبطت الجملة بـ"الفاء" لتدلّ على سرعة الإجابة بحصول المطلوب، وتحتمل هذه "الفاء" معنى السّببية فيدلّ على أن ما ذكر من شأنهم هو الذي أهّلهم لقبول دعائهم بما يتّسمون به من الإخلاص والوفاء.
إن هذا الصّنف من أولي الألباب لم يقفوا عند التّفكّر والتدبّر ولا عند الانفعال الوجداني بالتّوجّه إلى الله بالدّعاء، بل عبّروا على ذلك بالعمل الإيجابيّ الذي هو الثمرة الواقعية المرجوّة لهذه العبادة تحقيقا لمنهج الله، وقد تضمنّت تلك الاستجابة تحقيق عدم إضاعة العمل بضمان الجزاء، ولم ترد الاستجابة بعين ما طلبوا لبيان أنها ليست إلاّ توفية كلّ عامل جزاء عمله على قدر إخلاصه في ذلك العمل وإحسانه فيه.
(1) 1 - الفخر الرازي، التّفسير الكبير، 9/ 148.