نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة النّساء

الجزء ٤ · صفحة ٥٥

أ) - أمر الله بدفع مال اليتيم: وليست هذه الآية على ظاهرها، إذ لا يجوز دفع المال لليتيم إذا لم يأنس رشده فيتعين أن يكون إيتاء الأموال مجازا، فيكون معنى الإيتاء بمعنى الإنفاق وتدبير شؤونهم حتى يأنسوا رشدهم كما تفيده الآية اللاحقة: (وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ) (النساء:6)، أو يكون معنى: (ءَاتُواْ) بمعنى عيّنوا لهم حقوقهم كما يرى ذلك الإمام جابر بن زيد رضي الله عنه إذ قال: "نزلت هذه الآية في الذين لا يورّثون الصّغار مع وجود الكبار في الجاهلية".

ب) - (وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ): المنهّي عنه في آخر الآية هو ضدّ المأمور به في أولها، وهو الوجه الأول لمعنى الآية، أي لا تأخذوا الخبيث وتعطوا الطّيّب، وذلك بأن تكسبوا المال الحرام بأكل مال اليتيم أو تبديده في مصلحتكم، وتتركون الاهتمام بأموالكم التي هي حلال لكم.

والوجه الثّاني لمعنى الآية وهو المنقول عن بعض العلماء التّابعين أن المقصود به ما كان يفعله الجاهليون من أخذهم الجيّد من مال اليتيم ووضعهم الرديء بدله، ولا يستقيم هذا المعنى إلا مع فعل "بدّل".

ج) - (وَلاَ تَاكُلُواْ أَمْوَالَهُمُ (إِلَى أَمْوَالِكُم): أي لا تأكلوها مضمومة إلى أموالكم وجعل ذلك ذريعة للانتفاع بها، فيكون النّهي واقعا عن أكل مال اليتيم مطلقا سواء أكان للآكل مال يضمّ إليه مال يتيمه أم لم يكن. وعبّر عن أخذ المال والانتفاع به بالأكل لأنه معظم ما به التّصرّف، ولأنّ المال المأكول لا نطمع في إرجاعه. وعُدِّيَ "تأكلوا" بـ"إِلَى" ليأخذ معنى تضمّوا.

ثم شنّع الله مثل ذلك التّصرّف بقوله: (إِنَّهُ’ كَانَ حُوباً كَبِيراً): والحوب هو الإثم العظيم، والجملة تعليل للنّهي، ويشمل هذا التّعليل الأكل أو التّبدّل أو كليهما، فكل ذلك في حكم الله إثم كبير وقد أكّد خبر "إِنَّ" بِ"كَانَ"،والله أعلم.

تعدّد الزّوجات، وإيتاء المهر للنّساء

٩١٨ / ٦٬٧٦٧