5 - الطفل في الأسرة
صفحة ١٥أما الفلسفة الإنسانية ممثلة في الدولة، فهي تضع كل ما وصل إليه العلم في خدمة الطفل لهذه الفترة، فتحتفل لا ستقباله بدور الولادة وتسخير علوم الطب والصحة لراحته وتجنيد الأطباء والممرضين والقوابل للقائه بما يكفل له عدم الإحساس بمرارة الانتقال من محضنه في ظلمات الرحم إلى مهاده في دنيا الحركة والتموج.
وتواصل الدولة رعايتها واهتمامها بالطفل في هذه المرحلة بالوصايا التي تفرضها على الأم من اختيار الغذاء والكساء والنظافة واستشارة علم الصحة في جميع الأحوال وتقديمه لأنواع التطعيم أو وسائل الوقاية التي توصلت إليها البشرية وتقدمها الدولة في حرص واهتمام.
وبعد فترة ليست طويلة من هذا الاهتمام والعناية بالطفل من جميع الأطراف يبدا الخلاف يتضح بالتدريج بين مقاصد الدين والدولة والأسرة من تكون هذا الطفل، بل قد تختلف مقاصد الأب عن مقاصد الأم وبالعكس.
وتتوزع الرغبات المختلفة البذور الحقيقة التي تبذر في نفس الطفل منذ هذا الحين، ولما كان الاتصال الوثيق بالطفل لا يزال في يد الأم أولاً ثم الأب ثانياً، فإن السلوك الذي ينسكب في نفس الطفل غالباً ما يأتي عن الأم أو عنها وعن الأب، ويبدا تأثيرهما يبتعد به أو يقترب من مقاصد الدين أو مقاصد الدولة عندما تكون الدولة بعيدة عن الدين.
والواقع أن الاهتمام المنصبّ عليه في هذه الفترة إنما كان لخدمته دون تكليفه، سواء في ذلك اهتمام الدين واهتمام الدولة واهتمام الاسرة ذات التأثير الفعال، ولكن عملية الخدمة هذه هي في الحقيقة عملية استجلاب أو عملية استرضاء ثم رضا.
ومن الواضح بمكان أن الدين وهو يقدم توصياته لخدمة هذا المخلوق الجديد فإنما يريد أن ينشىء فرداً يحمل المقومات التي أرادها الخالق سبحانه وتعالى في الانسان حينما جعله خليفة له في الأرض، وأناط به تمثل التبعات في عمارتها، ووضع على عاتقه الأمانة الثقيلة.