الأقانيم الثلاثة أو آلهة من الحلوى علي بن يحيى معمر

5 - الطفل في الأسرة

صفحة ١٦

أما الدولة مستعينة بالعلم الذي نشأ عن تجارب الإنسان الطويلة فهي تريد أن تستفيد عضواً جديداً يتمكن من القيام بأعباء تفرض عليه مستقبلاً، فهي تقدم النصائح والتوصيات التي تعتقد أنها كفيلة بتكوين جسم سليم وفكر قويم خاضع لرغبة المجتمع.

أما الأم وهي أقوى مؤثر من أفراد الاسرة، فهي تريد أن تصوغ عجينتها هذه على أحب صورة في أحلامها، لأنها تعتبرها امتداداً لها، وإضافة لحياتها، ولا يبعد اتجاه الأب عن هذا الاتجاه.

ووسيلة الدين في هذا المقام لا تزيد عن تعريف الأبوين بالسلوك الذي يجب عليهما إزاء الطفل ثم توجيه الطفل نفسه في المسلك الذي ينبغي له.

أما الدولة فبالإضافة إلى التوصيات الكثيرة التي توجهها إلى الأبوين وبالأخص الأم فإنها أشد خشية من أن لا يتحقق لها ما تريد، ولذلك فهي تحتال لبلوغ مقاصدها بأخذ الطفل ووضعه تحت توجيهها وإشرافها بأسماء جذابة مغرية (دور الحضانة) (رياض الأطفال) (دار التربية والتعليم) وتجعل القيمين على تلك الدور ناساً قد أعدتهم للقيام بتلك المهمات إعداداً خاصاً.

أما الأبوان فلكي يصوغا طفلهما على النمط الذي يريدانه فإن سلوكهما غالباً لا يخرج عن حالتين: حالة الرعاية والنصيحة والتوجيه في لين حيناً وفي شدة حينا آخر، والحالة الأخرى التوجيه الاجباري ولو اقتضى ذلك استعمال العنف بأقوى مظاهره.

وهكذا تبدأ الرغبات تتجاذبه، وبعد أن كانت جميع الجهود مبذولة له والخدمات تقدم إليه أصبح مطالباً بالواجبات، وكل يوم تزداد تلك الواجبات وتثقل، فنحن نريد منه الحب ونحن نريد منه الإعجاب، ونحن نريد منه السلوك الذي نمليه عليه، وبعبارة أوضح نريد منه أن يتجه اتجاهاً إجبارياً في مسلك خاص.

إن ذلك التمثال الذي حلمنا به في الغيب وانتظرناه في الطريق واستقبلناه بما يشبه التقديس والعبادة، وأحطناه بهالة من العناية والرعاية والإكرام أصبح اليوم تمثالاً من الحلوى نتوق إلى أكله والاستعاضة عنه بغيره.

١٦ / ٦٠