الأقانيم الثلاثة أو آلهة من الحلوى علي بن يحيى معمر

18 - الانسياق الجماعي

صفحة ٥٤

الانسَياق الجمَاعي

في سنة 1960م كنت في البنان وأعدَّت لنا جامعة بيروت رحلة إلى مغارة قاديشا فمررنا بمتحف جبران.

كنا حوالي 150 شخصاً بين مدرَّسين ومديري ومدارس ومعاهد وموجَّهين فنيين، وقد تنقلنا بين أقسام المتحف وشاهدنا عديداً من الصور والمناظر التي رسمتها ريشة جبران وكان ضمن المعلقات لوحات ليس فيها غير خطوط متعرجة، كنت أقف أمام بعضها متأملاً دون أن أفهم شيئاً، ويمر بي الرفاق وهم يُظهرون الإعجاب بتلك الخطوط المتعرجة المتداخلة وبراعة الفنان في رسمها، كأنما كانوا يشاركونه كل الأحاسيس التي ينفعل بها حتى كانت ريشته الدقيقة تجري بتلك الخطوط، ومر بي أحد كأنما يقصد ذلك، فملت إليه والتمست منه في خجل أن يوضع ما تعنيه تلك الخطوط، وكيف توصل إلى فهم ذلك، فالتفت إلى جانبيه ثم همس إلي محاذراً يقول إنه والله لم يفهم شيئاً من ذلك ولكنه لا يريد أن يقول عنه الآخرون أنه عديم الذوق في الفن وأن يتهم بالغباوة.

فعلمت أن هذه الحالة هي حالة الكثيرين من أولئك الزوار وغيرهم.

هذه الصورة تمثل حالة المجتمعات اليوم، ففي جميع المسائل العامة تبدو لنا هذه الملاحظة واضحة – ملاحظة الانسياق الجماعي مع الفكرة الظاهرة – وإن كان الكثير ممن يسناق وراء تلك الفكرة إنما ينساق دون وعي أو عن غير فهم أو غير اقتناع ولكنه مع عدم الفهم أو عدم الإقتناع نراه يجري مع التيار في اتساق ونظام.

وبهذا الإنسياق الجماعي وراء فكرة أو دعوة أو عادة تتحكم العادات في المجتمعات، لأن الأفراد يتنازلون في مجابهتها عن آرائهم الشخصية ومعتقداتهم الحقيقة، وأحكامهم الصحيحة، مسايرة للفكرة السائدة التي قد يكون هي سلوك الأغلبية، وقد تكون فكرة بدأت في الظهور معتمدة على راسب قوي من العادات أو على دعوى قبيحة من العلم أو الدين أو السياسة.

٥٤ / ٦٠