16 - أين الرجل
صفحة ٤٧أينَ الرّجُل؟
قلت في مقدمة هذه الفصول إن الأقانيم الثلاثة هي الطفل والمرأة والحاكم، فأين الرجل؟
والجواب على ذلك بعبارة صغيرة قصيرة واضحة: إن الرجل هو المطية التي يعتليها هؤلاء الثلاثة بالتبادل أو في حين واحد.
إن الرجل باعتباره أبا عليه أن يكدّ ليسعد طفله ومن يقوم بخدمة طفله ليوفر لهم جميعاً متطلبات الحياة، وجميع القوانين واللوائح تلقي عليه المسئولية في ذلك.
والرجل باعتباره زوجاً عليه أن يكد ويجتهد ليوفر لزوجته هناءها وسعادتها، يخرج إلى العمل ليأتيها بالمال فتبدده على الفساتين والمساحيق والعطور فوق المسكن والمأكل، ويعود إليها ليتولى عنها غسل الأطباق وملاعبة الأطفال ومحاسبة الخدم، ثم يهيئ لها جولة الفسحة، ومتعة السهر أينما تشاء، هذا إذا كان زوجاً مثالياً طبع على عقله بخاتم العصر.
والرجل باعتباره محكوماً، عليه أن يعد لسانه للموافقة، وحنجرته للهتاف، ويده للتصفيق، ورجليه للمسيرة.
الرجل مخلوق تتكدس عليه الواجبات وليس له حقوق، في الجيش عليه أن يحمل السلاح ويقابل العدو ويموت إذا اقتضى الأمر ليسلم الطفل والمرأة والحاكم.
في الشرطة عليه أن يسهر طول الليل وأن يجوب الشوارع طول النهار، وأن يردّ الأذى عن الطفل الذي يعبث في الشوارع، وعن المرأة التي تتسكع متبرجة لتلفت إليها الأنظار، وأن يتسع ما تنفرج عنه شفاه الغادين والرائحين من كلمات أو همسات ليست راضية عن الحاكم حتى تقطع تلك الشفاه بكلاليب من نار.
في المزرعة عليه أن يشتغل حتى يتصبب عرقاً ويتقطع تعباً ليصحو في اليوم التالي باكراً فيأخذ الخضار والفاكهة الطرية ليتغذى بها الطفل والمرأة والحاكم.
في المرعى عليه أن يصارع الحر والبرد، وأن يقاتل الذئاب والضباع، وأن يحتمل العطش والجوع ليقدم للطفل والمرأة والحاكم لحماً طرياً وفراءً جيداً، ولبناً طازجاً.