الأقانيم الثلاثة أو آلهة من الحلوى علي بن يحيى معمر

7 - طفل الدولة

صفحة ٢١

طفْل الدولة

لست أدري لماذا تثور في ذهني – كلما فكرت في موضوع الطفل في الدول – تلك الصورة التي قرأت عنها

في بعض كتب التاريخ أو كتب الأدب من أن بعض الأعراب في الجاهلية يتخذون أصناماً من الحلوى يعبدونها زماناً فإذا جاعوا أكلوها ثم يتخذون غيرها ويكون مصيرها نفس المصير.

هذه الصورة تلحّ على ذهني كثيراً وأنا أفكر في الطفل، بل في الفرد البشري عند الدول النامية كما تسميها الأوضاع السياسية اليوم، ولعل وجه الشبه في هذا أننا نبذل من الاهتمام والرعاية وتقديم الخدمة – على كل من نطاق الاسرة والدولة – للطفل قبل أن يحصل على مادته، ثم عندما تتشكل عندنا مادته ويتم بناؤه تعود عليه فتلتهمه تماماً كما يفكر ذلك الأعرابي الجاهلي فيجمع مادة الحلوى ويقوم بتشكيلها وتقديم الخدمات لها، فإذا تم له ذلك واستوت أمام عينيه ثم أحس بالجوع وثب عليها فالتهمها، ثم بدأ يفكر في إله جديد.

نحن ننتظر الطفل وهو في الغيب، ونرعاه وهو في بطن أمه ونحتفل لاستقباله عند مقدمه ونقدم له الخدمة والرعاية لفترة من الزمن، فإذا دخل المدرسة شكلنا له هيكله وأعضاءه حسب رغبتنا، كما يشكل الجاهلي هيكل إلهه من الحلوى، وبعد أن يتم تشكيل ذلك الطفل على النمط الذي خططناه نثب عليه في يوم من الأيام لنزيله من الوجود، الوجود الحسي والوجود المعنوي.

ربما ظنّ أريد القارئ أنني أرمز بهذا إلى معنى بعيد لم يفهمه، وأريد أن يتأكد القارئ أنني لم أقصد إلى شيء غير الظاهر الذي تؤديه عباراتي بما فيها من قصور.

إن الذي أريد أن أقوله أن الدول في هذا العصر أصبحت تحاول جاهدة بما أوتيت من خبرة ومعرفة أن تصوغ أطفال شعوبها كلهم في قوالب متشابهة تسير بحركة واحدة رتيبة كأنما هي في طابور عسكري تنسق إيقاع خطواتها كلمتا .. يمين .. شمال ..

إن الدولة المعاصرة قد سيطرت – بمختلف الوسائل – على شخصية الفرد، فهي تريد أن ينساق معها في الاتجاه الذي ترسمه غير عابئة بشخصيته.

٢١ / ٦٠