15 - مخروط الحكم
صفحة ٤٥مخْرُوط الحُكم
كلما فكَّرت في الحكم خطرت لي صورة لا تبرح مخيلتي، ويبدو لي أنها صورة تمثل في صدق حقيقة الحكم وما يدور حوله، تلك الصور هي:
مخروط كبير جداً واسع القاعدة وينتهي بقمة لا تتسع إلا لرجل واحد أو لموقع قدمين فقط، حول ذلك المخروط أعداد هائلة من الناس في كل شعب أو أمة يحاول أولئك الناس في إصرار وعناد ومثابرة أن يتسلَّقوا ذلك المخروط، ويبذل كل فرد منهم ما يملك من جهد للوصول.
لا شكَّ أنه كلما ارتفع المخروط ضاق مجال التسلُّق وقل عدد المتسلقين وكثر عدد الساقطين، بل إن الذين يسقطون من جوانب المخروط المختلفة لا يحصرهم العد ولا يهتم بهم أحد، ولكن المحاولة مع ذلك لا تتوقف ولا تخف، تزدحم الأعداد عند القاعدة ويخف الإزدحام مع الصعود، وأخفّ الجميع حركة وأكثرهم ذكاء وأعرفهم بفنون البهلوانية هو الذي يستطيع أن يستمر في التسلق مستغلاً الظروف السيئة للآخرين، فقد يدرس على قدم أو يثبت رجله على خصر متسلق فيقع ذلك ويستمر هو حتى يتمكن من أن يضع إحدى رجليه على كتف آخر متسلق أو رأسه ليثب منها إلى قمة الهرم ليقف بعد أن يكون دفع بأعلى المتسلقين إلى الهاوية.
ومنذ اللحظة التي يقف فيها ذلك المتسلَّق البارع على قمة المخروط ويسترد أنفاسه تبدأ الحياة معه من جديد، فإذا وقف بقدميه على المخروط، وصرف ناظريه بعيداً إلى الجماهير التي تمتلئ بها الساحات، وسرح بفكره ليرى الحقيقة التي تعيش عليها الشعوب، فإنه سرعان ما تمسك يد متسلق آخر بقدميه ثم تجذبها خارج القمة وتطوح به بعيداً كما فعل هو بغيره دون أن يستمتع كثيراً بالمجهود الذي بذله ووصل به.