8 - المرأة
صفحة ٢٣المرأة
لعلَّ المرأة لم تشغل من فكر الإنسان، وتأخذ من وقته وتستحوذ على اهتمامه – في أي فترة من فترات التاريخ – كما شغلت واستحوذت وأخذت ذلك منه اليوم، رغم أن المرأة في حياة الإنسانية الكاملة كانت هي مثار الإهتمام وموضوع المنافسة والحديث.
والسبب فيما يبدو أنها في العصور السابقة كانت هي موضوع الحديث فقط، فالديانات تشغل بها وتخصها بجانب من الرعاية، والفلسفة تهتم بها اهتماماً خاصاً وتوليها جانباً آخر من العناية، وكانت العاطفة البشرية تتأثر بها وتؤثر فيها وتخصها بالجانب الأكبر من الإهتمام، وكانت المرأة تنظر إلى كل ذلك متلذذة مستمتعة متدللة طالبة المزيد، متصنعة الحنق والغيظ، مظهرة في ظاهرها الإحساس بالحرمان، وهي في داخل نفسها مغتبطة فرحة.
وجاء العصر الحديث، ورغبت المرأة في المزيد من العناية والاهتمام، ولم تعد تكتفي بالإيحاء بما تريد، وإنما خطر لها أن تتولى هي نفسها الإعلان والمطالبة وأن تشترك أو تقود هذه الحركة الجديدة، وبعد أن كانت المرأة موضوع الحديث والاهتمام أصبحت موضوع الحديث والاهتمام ومصدرهما أيضاً، وهكذا تضاعفت الحجم والمساحات التي كانت تشغلها المرأة من واقع الحياة.
وإذا استمرت المرأة في مسيرتها هذه، فلا يبعد أن تخسر كونها موضوع الإهتمام والرعاية وتكسب كونها مصدر الإهتمام والعناية، وحينئذ تنتقل من شيء عزيز يصوره الخيال وتزينه الأحلام ويعزّه تزاحم الطلب، إلى سلعة معروضة على الرصيف تعلن عن نفسها في ذلة وانكسار، تقتحمها العيون، وتمتهنها الأيدي وتسحقها ألوان السخرية المتتابعة.