الأقانيم الثلاثة أو آلهة من الحلوى علي بن يحيى معمر

1 - قوالب للبشر

صفحة ٤

قوالب للبشر

إن تحكمُّ الآلة في هذا العصر أصبحت تسيطر على الإنسان إلى درجة أنها تريد أن تخضع الإنسان نفسه للصناعة كما خضعت بقية المواد.

وكما جعلت دور الصناعة الآلية قوالب محدودة للإنتاج الآلي حتى يخرج كل نوع منها متشابهاً تصلح كل قطعة منه أن تحل مكان القطعة الأخرى، سرى هذا الاسلوب من التصنيع إلى البشر أنفسهم، لا سيما في الأقانيم الثلاثة التي أشرنا إليها سابقاً.

فالتربية الحديثة تصوغ مجموعة من القوالب يمرر منها الطفل في مراحلة التربوية المختلفة ليخرج على نمط معين.

وقوالب التربية محدودة صممها خبراء الصناعة التربوية في دول متقدمة كما يقولون.

أما الشعوب النامية وقد بهرتها صناعة الحضارة أو حضارة الصناعة، فهي تلهث وراء القوالب تستورد منها لتصوغ فيها أفراد شعوبها.

وقد تتجه إلى جهة معينة لها قوالبها، فتأتي بها إلى بلادها وتضع فيها جيلاً من أطفالها المساكين، ولكن ما أن يمر عليهم فترة قصيرة في تلك القوالب، وقبل أن يتم تشكيلهم يخطر لها أن تلك القوالب لا تؤدي الغرض المطلوب، وتستورد قوالب أخرى من جهة أخرى وتخرج أطفال ذلك الجيل من قوالبهم السابقة وتعيد إدخالهم في القوالب الجديدة التي قد تختلف عن الأولى اختلافاً بيناً، فتحاول تثبيتهم فيها مع نوع من الضغط والإكراه قد يتحطم فيه عدد من الأطفال والقوالب، وتستمر العملية في استيراد القوالب وتغييرها بعض الأحيان مرتين في سنة، وبعض الأحيان عندما يكاد يتم التشكيل.

ولا شك أن تغيّر القوالب القسري يترك تشويهات عديدة ولذلك فإن الطفل بعد أن تنفرج عنه تلك القوالب المتباينة يخرج هو الآخر غير متناسق، لا مع نفسه مع الناس ولا مع قالب من تلك القوالب.

ونفس الاسلوب يجري مع الأقنوم الثاني الذي هو المرأة.

فقد وضعت للمرأة قوالب معيَّنة في بلاد صناعية قبل عنها متقدمة، والشعوب النامية تستورد تلك القوالب لتحرر منها المرأة في بلادها.

٤ / ٦٠