الأقانيم الثلاثة أو آلهة من الحلوى علي بن يحيى معمر

10 - الحرية المهدورة

صفحة ٣١

وليس من الغريب أو النادر أن تشاهد مدرسة فاضلة أو ربة بيت محترمة كانت إلى يوم قريب تسلك مسلكها الحي الكريم، فإذا بها في مناسبة حفلة أو دعوة اجتماع قد غيرت مسلكها فجأة وطلعت عليك بطلعتها الجديدة التي ما كانت تجول في حسابك ولا حسابها، وعندما تسألها عن سبب هذا التغير تحبك في حسرة: إنه ضغط المجتمع الصغير الذي تعيش فيه والذعات الفارغين والفارغات ممن يقدرون الثقافة والحضارة بالثوب والحلية.

هذه المدرَّسة الفاضلة التي قضت فترة صالحة من عمرها في مسلك رصين ارتضته لنفسها وتخرجت عليها أجيال من فضليات الفتيات كانت توصيهن بالحياء والحشمة والسترة، ثم وجدت نفسها مضطرة إلى أن تخلع عنها ثوبها لتستطيع أن تواصل حياتها في مجتمعات قد انحرفت، ولا أسهل عليها من نبذ الفضائل بالتحجر والجمود ووصف الرذائل بالتقدم والتحرر.

متى كانت هذه المدرَّسة مستعبدة، حينما كانت تسير بوحي من فكرها وضميرها وإرادتها أم عندما خضعت لإرادة الآخرين خوفاً من أن يصفها الواصفون بالتأخر والجهل؟.

الألسنة والأقلام اليوم تسوق المرأة في سرعة وعنف إلى نمط من السلوك غريب عنها وعن إرادتها، وهي حريصة أن لا تترك لها فرصة التريث والتفكير في هدوء قبل أن تصل بها إلى نتائجها، وإنما تسوقها في غير وعي ولا إدراك بعد أن خدرتها بوسائل الدعاية والإعلام المختلفة.

والواقع أن المرأة لم تستعبد في يوم من الأيام ولم تهدر حريتها وتفقد كرامتها كما يقع ذلك في هذا العصر الذي جعلها تتصرف راضية فرحة حسب رغبة غيرها دون أن تملك حتى مجرد التفكير السليم في موقفها.

٣١ / ٦٠