الأقانيم الثلاثة أو آلهة من الحلوى علي بن يحيى معمر

18 - الانسياق الجماعي

صفحة ٥٥

ولعلَّ أبرز ما تتضح فيه فكرة الإنسياق الجماعي ولا سيما بالنسبة إلى المثقفين وأشباه المثقفين هو موضوع الأقانيم الثلاثة، فقد انتشرت آراء عن الطفل ومعاملته وتربيته وسلوكه وما يختص به فانساق الجميع وراء ذلك التيار وصاروا ينادون بها في حرارة وحماس حتى لا يقال عنهم إنهم جهلاء أو متأخرون، وحتى أشد الناس مخالفة لتلك الآراء بالسلوك يقف للإعلان عنها في دعوة حارة وتأكيد وتصميم كأنما هو الذي ابتكرها.

وانتشرت آراء في موضوع المرأة بما فيها من خير وشر فانساق إليها الجميع دون وعي: المرأة نصف المجتمع هي المدرسة الأولى كانت مظلومة حقها في الحرية، تعطلت مسيرة البشرية لإهمال المرأة، ذكاء المرأة، قوة المرأة، تضحية المرأة، في سلسلة طويلة من العناوين الضخمة تحمل في الغالب مبادئ سليمة تندرج تحتها أفكار كثيرة منحرفة زائفة تلهج بها ألسنة لا تفرق بين الخير والشر والحق والباطل وينساق وراءها الرأي الجماعي خوفاً من تهمة التخلف والجمود والجهل، وحتى أولئك الذين يخالفون – بسلوكهم – ما يندرج تحت تلك العناوين ينساقون مع التيار، ويهتفون معه في رتابة وتنغيم.

وموضوع الحاكم لا يخرج عن هذا النطاق، فما يتسلق متسلق منصة الحكم حتى تبادر أجهزة الدعاية إلى الإعلان عنه وإلى إضفاء أثواب فضفاضة عليه من أكرم النعوت وأجمل الشعارات تلهج بها ألسنة كثيرة ثم يتم الإنسياق الجماعي وتمضي فترة قد لا تطول فهوي ذلك المتسلق وبتسلق غيره فتعمل أجهزة الدعاية على تجريد الأول مما كان يوصف به وإلباس الثاني حللاً ضافية من معاني الخير والعمل والكفاح، ويتم كذلك الإنسياق الجماعي في الموقفين دون أن يرتفع صوت بالإعتراض أو يندى جبين بالخجل من تبدل الموقفين.

وفي هذه النماذج الثلاثة كان الإنسياق الجماعي إما عن غير وعي وتفكير وإما عن خوف من تهمة الجهل أو التخلف أو الخيانة ومعارضة الحكم.

٥٥ / ٦٠