18 - الانسياق الجماعي
صفحة ٥٦وعلى هذا النمط بدأت تتكون عادات اجتماعية في المناسبات سوف تكون لها خطورة فما يظهر سلوك معين حتى يتم وراءه الإنسان الجماعي لسبب من الأسباب دون أن تظهر ردود الفعل الفردية أو الآراء الشخصية التي تقف دون انتشار ذلك بين الجميع.
والحقيقة أن فكرة الإنسياق الجماعي في هذا العصر أصبحت من الخطورة في الدرجة الكبرى، ذلك أن الفكرة الخاطئة تجد من الوسائل ما يجعلها تنتشر بسرعة وتلتف حولها الأصوات حتى تصبح سلوكاً، وتقف الأصوات المعارضة مترددة في حناجر أصحابها لأنها لا تقوى أن تعلن عن نفسها لسبب من الأسباب حتى يتم الإنسياق الجماعي وتصبح الفكرة الخاطئة هي المبدأ السليم الذي تبنى عليه الأسس، وتُرفع القواعد، وحينئذ حتى إذا ارتفعت الأصوات المضادة المنكرة، فإنها تضيع في الفضاء دون أن يسمعها أحد أو دون أن يتاح لها الإرتفاع، فتتضاءل وتنمحي ثم تزول.
وهكذا ما أن ترتفع فكرة ما في موضوع عام حتى يتم الإنسياق الجماعي، فالإنسياق الجماعي في هذا العصر ظاهرة واضحة لا اختلاف فيها ولا تخلف، تتم في يسر وسهولة وفي خطوات قليلة وذلك بأن تستعلن الفكرة فيتحمس لها عدد ويدعو إليها وينساق الأغلب، وقد تعارض أقلية في سكوت أو خفوت إما جلاً وإما عدم مبالاة.
وقد نتج عن هذا الإنسياق الجماعي عدة ظواهر يستطيع الملاحظ أن يتبينها بوضوح ربما لخصنا بعضها فيما يلي:
التخلي عن الرأي الشخصي: أصبح الفرد – رغم اعتزازه برأيه الشخصي – لا يعلن عنه إذا كان مخالفاً للانسياق الجماعي، وإذا أعلن عنه فإنه لا يندفع إلى تأييده بما ينبغي له من حماس وقوة وذلك خوفاً من أن يرمى بالتخلف والغباء وعدم الفهم.