بهجة الأنوار (تحقيق ناصر السيابي) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الباب الخامس: في القضاء والقدر

الجزء ١ · صفحة ١٥٨

قالوا: وماذا للعبد من الأفعال وهو متصرف في قبضة القهر، ومصرف بمقتضى العلم، والإرادة والمشيئة؟ قالوا: قد وجدنا الله سبحانه يقول: (يضل من يشاء ويهدي من يشاء)(35 )، وقال: (من يضلل الله فلا هادي له)(37 ) فمن شاء الله خلق له(37 ) الخير، ومن شاء خلق له الشر، فهذه مقالتهم( 38) (انتهى).

فتلخص من كلامه أن الأمة في القدر على ثلاث فرق، فرقة تعلقت بالأمر فزلوا، وهم الذين قالوا: إن الله لم يخلق أفعال العباد، وإنما كان ذلك من خلق أنفسهم فقدرتهم صالحة لإيجاد فعلهم، وفرقة تعلقت بالمشيئة فضلوا ولم يجعلوا للمكلف اختياراً في فعله، بل قالوا ذلك على طريق الجبر، فضلال أولئك من حيث نفي القدر، وضلال هؤلاء من حيث الغلو في إثباته، فهما ضالان، وقد تعلق كل منهما بآيات من القرآن، نذكر كل شيء في محله -إن شاء الله تعالى- وفرقة جمعت بين الأمر والمشيئة، وقالوا: أفعال العباد خلق من الله واكتساب من العبد، فهدوا إلى صراط مستقيم، وعن عكرمة عن ابن عباس (رضي الله عنه) سئل عن القدر، فقال: »الناس فيه على ثلاث منازل: من قال إن وفي الأمر المشيئة إلى العباد وإن الأعمال مفوضة إليهم، ولا قدر فقد ضاد الله في أمره، ومن أضاف إلى الله شيئاً مما ينزه عنه فقد افترى عظيماً على الله (تعالى)، ورجل قال: إن رحمت فبضل الله فذلك الذي سلم له دينه ودنياه«(39 ).

هذا بيان الرد على الفرقة الأولى من القدرية، وهم القائلون: إن الله لم يخلق أفعال العباد، وإنما ذلك من خلق أنفسهم، قالوا: إن الله أكرم من أن يخلق خلقاً فيعذبنا عليه، وتعلقوا في جواز أن يكونوا خالقين لأفعالهم، وفي وقوع ذلك بآيات من القرآن، منها قوله (تعالى): (وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير)(40).

١٥٨ / ٢٣٦