بهجة الأنوار (تحقيق ناصر السيابي) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الباب الخامس: في القضاء والقدر

الجزء ١ · صفحة ١٦٠

ومما استدلوا به من العقليات أنهم قالوا: »لا تخلو أفعال العباد من أحد ثلاثة أمور: إما أن تنسب إليه (تعالى) وحده، أو تنسب إليه وإلى العبد معاً، أو تنسب إلى العبد فقط«، فبطل الأول لاستلزامه الجبر الآتي بيان بطلانه فيما سيأتي قريباً إن شاء الله، وبطل الثاني لاستلزامه مشاركة الله في أفعاله وهو (تعالى) منزه عن ذلك، فبطلان هذين الوجهين ثبت الثالث، قلنا: لا نسلم استلزام مشاركة الله في أفعاله على ثبوت الوجه الثاني، لأن لفعل العبد جهتين: جهة( 49) إيجاد، وهي الجهة التي يخرج بها فعل العبد من العدم إلى الوجود، وبهذه الجهة تتعلق قدرة الباري (تعالى)، وجهة اكتساب: وهي إضافة الفعل إلى العبد مع اختيار العبد لذلك، وبهذه الجهة تتعلق قدرة العبد، فالله (تعالى) إنما يخلق الفعل للعبد حال اختيار العبد له، وتوجبيه القدرة إليه لاكتسابه، فالعبد مكتسب، والله (تعالى) موجد، وإذا اختلفت الجهتان انتفت المشاركة، فقد سقط بحمد الله ما تعلقوا به، ولنرجع الآن إلى بيان استدلالنا عليهم، واستدلالنا في ذلك من طريقين، أحدهما: طريق النقل، وهو المشارك إليه بقول الناظم: «لكل شيء خالق..الخ البيت»، وثانيهما طريق العقل، وهو المشار إليه بقوله: «لو كان خالق سواه.. إلى آخر الأبيات»، أما قوله: «لكن لنا في فعلنا اكتساب..الخ» فاستدراك لما قد يتوهم من الاستدلال على نفي خلق العبد لفعله، إن الأفعال منسوبة إليه (تعالى) جبراً، فرفع ذلك التوهم حيث أثبت للعبد في فعله اكتساباً يثاب عليه ويعاقب عليه، (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت)( 50) (تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم)( 51).

١٦٠ / ٢٣٦